مجموعة مؤلفين
342
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
العقل الأول الذي هو أول المبدعات إذا كان إبداع صورته في الوجود مسبوقا بصورته المعنوية العدمية الثبوتية ؛ كان الأزلي المقارن الواجب الوجود عدمه لا وجوده فيكون وجوده متأخرا عن عدمه تأخرا حقيقيا ، لا يجامعه في الأزل لا تأخرا بالذات فقط مجامعا له في الأزل ، فإن احتياجه إلى الإبداع سابق على الإبداع مقارن لعدمه الأزلي المقارن بوجود الأول الحق تعالى ، فلو كان التأخر ذاتيا لا زمانيا كان وجوده أيضا مقارنا بوجود الأول الحق تعالى في الأول ؛ فكان موجودا بالفعل حين كونه معدوما بالفعل ، وهو تناقض ، فلا بد أن يكون وجود العقل الأول متأخرا عن عدمه تأخرا حقيقيا لا يجامعه في الأزل ، وهو المراد بالحدوث الزماني ؛ إلا أن الزمان هذا وهمي محض ؛ لأن الزمان الحقيقي الذي هو مقدار حركة الفلك متأخر الرتبة عن الفلك المتأخر عن العقل الأول . وأما الزماني في قول أفلاطون : أن المثل العقلية غير محصورة بالزمان والمكان ، فالمراد به الزمان المعروف الذي هو مقدار حركة الفلك ، فلا تناقض بين القول بحدوثها الزماني ، والقول بأنها غير محصورة بالزمان والمكان . واعلم : أن ما قررناه في إثبات حدوث العالم على مذهب أفلاطون وارد على ابن سينا القائل : بقدم العالم ، وإن تقدم عدمه على وجوده تقدم ذاتي لا زماني ، وذلك لأنه قال في الفصل الرابع من المقالة الثامنة من الهيئات « الشفا » : إن كل ما له ماهية غير الأنية فهو معلول ، وسائر الأشياء غير واجب الوجود فلها ماهيات تلك الماهيات هي بأنفسها ممكنة الوجود ، وإنما يعرض لها وجود من خارج فالأول لا ماهية له ، وذوات الماهية يفيض عليها الوجود منه . . . إلخ . وقد تبين بما قررناه : أن القول بهذا يستلزم تقدم عدم الممكن على وجوده تقدما