مجموعة مؤلفين

306

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

ثم قال : وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء النفس أي : فني عن نفسه ، وعن غير اللّه ، فلم ير إلا اللّه ، فمن لا يفهم هذا ينكر عليهم ويقول : كيف فني وطول ظله أربعة أذرع ، ولعله يأكل كل يوم أربعة أرطال من الخبز ؟ فيضحك عليهم الجهال لجهلهم بمعاني كلامهم ، وضرورة العارفين أن يكون ضحكة للجاهلين . . . إلخ « 1 » . ومنه يظهر اندفاع قول من قال من المنكرين في أهل العصر فيما رواه عنه الأخ عبد العزيز صلاح الدين الجلي ، ثم المدني أيده اللّه بنوره آمين : إن مثل من يقول إن المستقذر مستحسن كمثل من شتم آخر بأنواع الشتم ، فإذا أنكروا عليه قال إني لم أشتمه بل مدحته فأردت بقولي : يا لئيم يا كريم ، وبقولي : يا فاسق يا صالح ، وبقولي : يا مشرك يا موحد ، وهذا أمر لا يجوزه عاقل ، ولا يقبل اعتذاره فيه ، انتهى ملخصا . فإنه ناشئ من سوء فهمه لمقاصد أهل هذا الشأن ، فإن إطلاق المستقذر والمستقبح شرعا على ما هو كذلك شرعا إطلاق صحيح شرعا ؛ لكن استقذاره واستقباحه شرعا تابع للحكمة فيكون حسنا حكمة في مرتبة في عين كونه مستقبحا شرعا ، ولا تناقض في ذلك بخلاف تفسير : يا فاسق بيا صالح وأخويه ، فإنه تفسير للشيء بضده لغة وشرعا ؛ فلهذا لا يجوزه العاقل ، ولا يقبل اعتذاره فيه ، وأهل هذا الشأن لا يلزم من كلامهم أن يقال للخبيث شرعا أنه طيب شرعا حتى يكون قولا تناقضا ، وإنما اللازم منه كلامهم : أن الخبيث شرعا خبيث شرعا ، لكن كونه خبيثا شرعا تابع للحكمة ، فيكون مستحسنا حكمة في عين كونه خبيثا شرعا ، وليس إطلاقا للشيء على ضده كما توهمه المنكر السيئ الفهم ، وإنما هو إطلاق لشيء على ما يراد به معناه

--> ( 1 ) في ( 3 / 186 ) .