مجموعة مؤلفين

295

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

وإذا بطلت هذه الاحتمالات كلها قطعا ، فلم يبق في الإمكان إلا أن يكون هذا الوجود مفاضا من تجلي الوجود المطلق ، وذلك بإشراق نوره على الماهيات ، فإذا اقترن بها في انبساطه عليها تعين بتعينات مختلفة بحسب اختلاف استعدادات الماهيات الذاتية الغير المجعولية مع وحدة النور المنبسط عليها في حد ذاته . وقد تبين في المقدمة الأولى أن الواجب الوجود لذاته هو الوجود المجرد عن الماهيات ، فما هو مقترن بها ليس عين الوجود الواجب لذاته المتعين بذاته ؛ لأن المقترن بها متعين بحسبها لا بذاته المجرد عن الماهية ، ولكنه ليس غيره من كل وجه أيضا ؛ لأنه من انبساط نور تجليه ، فصح أن يقال : عينه من وجه ، فهو لا هو هو ، ولا هو غيره . قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتاب ذم الجاه والرياء من « الإحياء » « 1 » : كما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس ، بل من جملة كمالها ، فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق نور القدرة ، وساق الكلام في ذلك إلى أن قال : فإن أكمل الكمال أن يكون وجود غيرك منك ، انتهى . وقال في كتاب « مشكاة الأنوار » : كل ما في الوجود فنسبته إليه تعالى في ظاهر المثال كنسبة النور إلى الشمس ، ثم قال : فهذه غاية الغايات ومنتهى الطلبات يعلمه من يعلمه ، وينكره من يجهله ، وهو من العلم الذي كهيئة المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة باللّه . وقال في كتاب الصبر والشكر من « الإحياء » « 2 » : النظر بعين التوحيد المحض يعرفك أنه ليس في الوجود غيره تعالى ؛ لأن لا غير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه

--> ( 1 ) انظره في ( 2 / 468 ) . ( 2 ) انظر : ( 3 / 164 ) .