مجموعة مؤلفين
258
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
الوجود الواحد من غير أن يلزم من ذلك ما يظن من انقلاب الحقائق أو حلول شيء في شيء ، بل المراد من ذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه لا حقيقة له إلا بالحق سبحانه بمعنى أن الوجود الذي صار به كل موجود موجودا إنما هو الوجود الواجب ، وهذا منكر عند أرباب العقول المحجوبة بظلمة الأكوان ، فإنهم لا يشاهدون وجهه تعالى في الأشياء لوقوفهم معها ، وإلى وحدة الوجود المشترك بين جميع الماهيات المتكثرة أشار الأكابر بقولهم الوحدة للوجود والكثرة للعلم أي للمعلومات فإنها هي التي كثرت الوجود الواحد المظهر لها بها انتهى منه بلفظه . وفيها أيضا ما نصه : وحدة الوجود ، يعني به عدم انقسامه إلى الواجب والممكن وذلك أن الوجود عند هذه الطائفة ليس ما يفهمه أرباب العلوم النظرية من المتكلمين والفلاسفة ، فإن أكثرهم يعتقد أن الوجود عرض ، بل الوجود الذي ظنوا عرضيته هو ما به تحقق حقيقة كل موجود ، وذلك لا يصح أن يكون أمره غير الحق عز شأنه انتهى المراد منه بلفظه أيضا . وقال السعد في « شرح المقاصد » بعد أن أبطل الحلول والاتحاد ما نصه : وهاهنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء . الأول : السالك إذا انتهى سلوكه إلى اللّه ، وفي اللّه استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا اللّه ، وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد ، وإليه يشير الحديث الإلهى : « فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به « 1 » » .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .