مجموعة مؤلفين

230

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

وأما قوله : « فمن أصحابنا من يراه » إلى قوله : « الوجود الحقيقي » فأحسن ما يمثل به هذا المعنى : الزجاجات المتلونة بألوان مختلفة ، إذا وقع عليها نور الشمس ونفد منها ووقع على جدار يواجهها ، فإن النور يظهر بتلك الألوان المختلفة عن المدرك لا أنه عرض له شيء منها في حد ذاته ، فتلك الزجاجات هي الأعيان الثابتة المختلفة الحقائق ، والنور هو الحق تعالى ، المطلق في ذاته عن كل قيد من قيود تلك الألوان ، والنور الظاهر في الجدار المقابل للزجاجات هو الموجود الخارجي ، فهو المتلبس بإحكامها أعني الألوان ، وهي - أعني : الزجاجات - لا وجود لها في ذلك الجدار ، بل لها الثبوت في أمكنتها ، والنور تلبس بأحكامها عند المدارك والمشاعر . وأما قوله : « ومن أصحابنا » إلى قوله : « في كل زمان » فإشارة لما حررناه في المقدمة من أنه تعالى مبدأ لآثار الماهيات على الإطلاق . وما أشار إليه السيد الشريف فيما نقلناه عنه من أن معنى « كون غير تعالى موجودا » : إن له نسبة مجهولة إلى ذاته ، فعلى هذا العالم موجود في الخارج بالحق الذي هو مبدأ لآثاره ، فالأعيان واحدة بالجوهر ، أعني المبدئ القائم بذاته - كثيرة بالصور وهي الأعيان الثابتة التي تجدد لها نسبة خاصة إليه تعالى صارت بها موجودة في الخارج ، فتختلف النسب باختلافها وهي الأحوال التي يكسوها الحق مع الأنفاس ، وتسمى عند أهل النظر بالموجودات الخاصة . وأما قوله : « فعلى الأول » إلى قوله : « وهي تشهده وجودا » فإشارة إلى أن السالك يصل إلى مرتبة الفناء عن إدراك ألوان الزجاجات في حقيقة النور ، وإذا فني إدراكه فنيت تلك الألوان التي لم تكن موجودة حقيقة ، إنما كانت موجودة في قوة إدراكه ، ففنيت بذهول إدراكه عنها ، فبقي النور عند الإدراك على ما كان عليه في نفس