مجموعة مؤلفين
226
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
نفوسهم من المعاني المحدثة ، فانتقلوا من ظواهرهم إلى معانيهم المحدثة القائمة بهم ، وسمّوا هذا العدول تنزيها ، فنفوسهم نزّهوا أن حموا على المعاني الإلهية أو الحق ، شبهوا أن حملوه على المعاني النفسية ، وما لهم قدم تحول في غير هذا ، فلو رجعوا إلى محل التحقيق إذ حرموا الكشف . وقالوا : الحق سبحانه أثبت لنفسه هذه الأحكام في كتبه وعلى ألسنة رسله وسفرائه ، والذات مجهولة عند الخلق كلهم - أي : لا تعلم - وهذه أحكام للذات عندنا ، والجهل بالحكم أقرب من الجهل بالذات ؛ إذ لا يعرف حقيقة نسبة هذا الحكم لهذه الذات المحكوم عليها به حتى تعرف هي في نفسها ولا معرفة بها ، فلا معرفة بنسبة الأحكام إليها ، فكانوا لا يشبهون ولا يعينون حكم تنزيه بعينه ، بل يسلّمون علم ذلك لمن وصف بها نفسه وهو اللّه تعالى ، وقد روي عن بعض السلف أنه سئل عن الاستواء على العرش ، فقال : « الاستواء منقول ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة » . فنحن ومن جرى على طريقتنا من أهل العلم الذوقي الشهودي ، فلا نسلك هذا المسلك أبدا البتة ، فإن الذات تشاهد ولا تذاق ، ولا تزال الهوية منصحبة معها ، ولذلك قال العارف : لا هو إلا هو ، فأثبت الهوية بنفسها ، ولكن مسلكنا مسلك آخر تحتمله الألوهية لا الذات ، وتعطيه حقيقة هذا الحكم ، فهذه الأحكام كلها لها وهي صحيحة في نفسها ، وهكذا يقع الشهود فيها لمن شاهد وستصل فترى ، وقد صح فيما خرّجه مسلم في صحيحه من تحول الألوهية وتبدلها في صور الاعتقادات والمعارف وفيها اعتقاد المشبهة وغيرهم ، ولابد من إقرار كل طائفة في تلك الدار به ، فلابد من تجليها في صور اعتقاداتهم ، وذلك راجع إلى المدرك لا إلى المدرك .