مجموعة مؤلفين
205
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
عن غيره تعالى ، وعطل ظاهر نفسه وباطنها عن التصرف إلا بأمره وفيما يحبه تعالى ، ودام على ذلك ، صادقا مخلصا خصوصا إن جلس في بيت مظلم ، وعطل الحواس الظاهرة والباطنة عن كل متعلق ، وعلق فكره بالواحد الأحد الذي اعتقد تقليدا أنه معه ، ثم استدل عليه تحقيقا وهو الآن يطلبه وجدانا ودام على ذلك وأقله يكون في أربعين يوما ، فإن صدق وأخلص فلابد أن يفجر اللّه تعالى ينابيع الحكمة من قلبه الذي هو بيت الحق ؛ لأنه تقي ، وقال تعالي : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن النقي » « 1 » . فيحصل له الوجدان بالمعية فقبل هذا الوجدان إن كان يعتقد تقليدا ونظرا أن الحق سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله ، فبه يسمع ، وبه يبصر ، وبه يتكلم ، وبه يبطش ، وبه يسعى ، والآن يجد ذلك ذوقا ووجدانا ، وعلامته أنه يتصور منه خوارق العادات ، وإن لم تقع فمثل هذا الرجل تضمحل ذاته في ذات اللّه تعالي وصفاته في صفات اللّه لا غيره ، وقد أشار الأمام حجه الإسلام رضي اللّه عنه في « الإحياء » إلي هذا المقام ، فقال في « كتاب التوكل في الإحياء » بعد ما بين بعض مراتب التوحيد : المرتبة الرابعة أنه لا يرى في الوجود إلا واحدا وهو مشاهدة الصديقين ، وتسمية الصوفية الفناء في التوحيد ؛ لأنه من حيث لا يرى واحدا ، فلا يرى نفسه أيضا ، فإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالواحد ، كان فانيا عن نفسه في توحيده ، بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه ، فهو موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير بل من حيث إنه واحد . فإن قلت : كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحدا وهو يشاهد السماء والأرض
--> ( 1 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 2 / 496 ) ، وقال : لا أصل له ، وذكره العجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 325 ) .