مجموعة مؤلفين

201

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

قلت : الجواب عن الأول : إن الكلام في حقيقة الموجود ولا فيما يتبادر إليه الأذهان من مدلول اللفظ ، فإن يجوز أن يكون مفهوما كليا وعارضا اعتباريا لذلك الحقيقة الممتنعة عن الاشتراك في حد ذاته كمفهوم الواجب بالقياس إلى حقيقته . وعن الثاني : أن الممتنع هو البرهان وما يؤدي إليه لا الاشتهار في ألسنة الأقوام بتمويه الأوهام نعم يتجه علي المقدمة القائلة : كل ما هو محتاج في كونه موجودا إلى غيره فهو ممكن منيع لطيف ، وهو أن المحتاج في كونه موجودا إلي غير هو موجده ممكن قطعا لا المحتاج في كونه موجودا إلي غير هو وجوده ويندفع بنظر دقيق ، وهو أنه لما احتاج في موجوديته إلي غير ، فقد استفاد ذلك من غيره ، وصار معلولا له موقوفا في ذلك عليه ، فكل ما هو كذلك فهو ممكن ، سواء سمي ذلك الغير الموقوف عليه وجوده أو موجده ، ومما يؤيد كون الوجود عين الواجب أن الوجود في حد ذاته ينافي العدم ، وهو أبعد المفهومات عن قبول العدم ؛ لأن ما عداه لا يمتنع عن قبول العدم لذاته بل بواسطة الوجود ، ولا شك أن الواجب هو الذي ينافي العدم لذاته ، لا ما ينافيه بواسطة غيره . فإن قلت : ماذا تقول فيمن يرى أن الوجود مع كونه غير الواجب ، وغير قابل للتجزؤ والانقسام قد انبسط على هياكل الموجودات وظهر فيها ، فلا يخلو عنه شيء من الأشياء ، بل هو حقيقتها وعينها ، وإنما امتازت وتعددت بتقيدات وتعينات اعتبارية ، ويمثّل ذلك بالبحر وظهوره في الأمواج المتكثرة ، مع أنه ليس هناك إلا حقيقة البحر فقط . قلت : قد سلف منا كلام في أن هذا طور وراء طور العقل لا يتوصل إليه إلا بالمشاهدات الكشفية دون المناظرات العقلية ، وكل ميسر لما خلق له ، واللّه المستعان وعليه التكلان ، انتهى من غير تصرف .