مجموعة مؤلفين
186
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
الفصل الثالث في حدوث العالم « 1 »
--> ( 1 ) ويجب أن يعلم : أن العالم محدث ؛ وهو عبارة عن كل موجود سوى اللّه تعالى ، والدليل على حدوثه : تغيره من حال إلى حال ، ومن صفة إلى صفة ، وما كان هذا سبيله ووصفه كان محدثا ، وقد بين نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم هذا بأحسن بيان يتضمن أن جميع الموجودات سوى اللّه محدثة مخلوقة ، لما قالوا له : يا رسول اللّه : أخبرنا عن بدء الأمر ؟ فقال : « نعم ، كان اللّه تعالى ولم يكن شيء ، ثم خلق اللّه الأشياء » فأثبت أن كل موجود سواه محدث مخلوق . وكذلك الخليل عليه السّلام ، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها وانتقالها من حالة إلى حالة ؛ لأنه لما رأى الكوكب قال : هذا ربي ، إلى آخر الأيات فعلم أن هذه لما تغيرت وانتقلت من حال إلى حال دلت على أنه محدثة مفطورة مخلوقة ، وأن لها خالقا ، فقال عند ذلك وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 79 ] . وإذا صح حدوث العالم ؛ فلابد له من محدث أحدثه ، ومصور صورة ، والدليل على ذلك : أن الكتابة لابد لها من كاتب كتبها ، والصورة لابد لها من مصور صورها والبناء لابد من بان بناه ؛ فإنا لا نشك في جهل من أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب ، وصناعة لا من صانع ، وحياكة لا من ناسج ، وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها ، ومحدث أحدثها ، إذ كانت ألطف ، وأعجب صنعا من سائر ما يتعذر وجوده إلا من صانع . دليل ثان : ويدل على ذلك أيضا : علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض ، وتأخر بعضها عن بعض ، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها ، فلا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدما لنفسه ؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من جنسه معه ، وكذلك المتأخر منها ، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر ، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم أولى منه بالتأخر ، دليل على أن له مقدما قدمه ، وعاجلا عجله في الوجود ، مقصورا على مشيئته . ويدل على صحة ذلك أيضا : علمنا بأن الصور الموجودة ؛ منها ما هو مربع ، ومنها ما هو مدور ، ومنها شخص أطول من شخص ، وآخر أعرض من آخر ؛ مع تجانسها ، ولا يجوز أن يكون المربّع منها ربّع نفسه ، ولا المطوّل منها طوّل نفسه ، ولا القبيح منها قبّح نفسه ، ولا الحسن منها -