مجموعة مؤلفين

162

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

العقول من العجز والقصور عن معرفة ما خلق اللّه تعالى من أجرام العالم وأرواحه ولطائفه وكنائفه ، فإن الوضع والترتيب ليس العلم من حظ الفكر ، بل هو موقوف على خبر الفاعل لها والمنشئ لصورتها ، ومتعلق علم العقل من طريق الفكر إمكان ذلك خاصة لا بترتيبه ، فإن الترتيب لا يعرف إلا بالشهود في الأشخاص ، حتى يقول هذا فوق هذا ، وهذا تحت هذا ، وهذا قبل هذا ، وهذا بعد هذا أو العقل يحكم بالإمكان في ذلك كله ، ثم أن اللّه تعالى قدر في العالم العلوي المقادير ، والأوزان ، الحركات ، والسكون في الحال ، والمحل ، والمكان والممكن ، وخلق السماوات وجعلها كالقباب على الأرض قبة فوق قبة على الأرض . كما سنوقفك في هذا الباب على شكل وضع عالم الأجرام ، وجعل هذه السماوات ساكنة ، وجعل فيها نجوما ، جعل لها في سيرها في هذه السماوات حركات مقدرة لا تزيد ولا تنقص ، وجعلها عاقلة سامعة مطيعة ، وأوحى في كل سماء أمرها . ثم إن اللّه لما جعل السياحة للنجوم في هذه السماوات حدث لسيرها طرق ، لكل كوكب طريق ، وهو قوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ [ الذاريات : 7 ] ، فسميت تلك الطرق أفلاكا ، فالأفلاك تحدث بحدوث الكواكب وهي سريعة ، القمر في جرم السماء الذي هو ساحته ، فتخترق الهواء المماس لها ، فيحدث لسيرها أصوات ونغمات مطرية لكون سيرها على وزن معلوم ، فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب لمسافات السماوية ، فهي تجري في هذه الطرق بعادة مستمرة قد علم بالرصد مقادير تلك الحركات ، ودخول بعضها على بعض في السير ، وجعل سيرها للناظرين بين بطء وسرعة ، وجعل تقدما وتأخرا في أماكن معلومة من السماء تعين ذلك أجرام الكواكب ، فإن أجرام السماوات متماثلة الأجزاء ، فلو لا إضاءة الكوكب ما عرف قدمها ولا