مجموعة مؤلفين

139

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

اعلم أن مذهب الشيخ الأشعري هو أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة اللّه تعالى وحده ، وليس لقدرتهم تأثير فيها ، بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأنه يوجد في العبد قدرة واختيارا ، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما ، فيكون فعل العبد مخلوقا للّه تعالى إبداعا وإحداثا ومكتسبا للعبد ، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير ، أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا ، وهذا المذهب هو الجبر المتوسط بين التفويض الصرف كالمعتزلة ، والجبر المحض كالجهمية ينسب للعبد كسبا في الفعل بلا تأثير فيه ، وهو قاعدة عظيمة لبناء دعائم الإسلام وأساس التوحيد الذاتي الذي أشرنا إليه ، وسنشير إليه إن شاء اللّه تعالى . غير أن الكلام في الكسب لا يخلو من إشكال واضح قوي ، لا دافع له ، وهو أنه عرض مخلوق للّه فقد رجع الأمر إليه ، وما أفادكم لفظ الكسب أن يكون مناط التكليف ، والثواب على الأعمال ، والعقاب عليها ، وذلك هو المرام ، فإنه إذا كان لا مؤثر إلا اللّه ، ولا تأثير لشيء في شيء أصلا انخرق سياج التكليف ، ولم يترتب الثواب والعقاب ، فما أثبت الكسب من أثبت إلا ليكون مناط التكليف ، والشيخ رضي اللّه عنه ذكر في « الفتوحات » توحيد الأفعال بوجه يوافق ما ذهب إليه الشيخ الأشعري ، ولا يلزمه ما

--> - أردت ذلك على الخصوص ، بأن تقول : يا خالق الكذب والجور فلا يجوز من طريق الأدب والإذن في ذلك ، كما أنا نقول يا خالق المخلوقات ، فيعم بذلك السماوات ، والأرض ، والشمس والقمر ، والقردة ، والخنازير ، والكلاب ، والجعلان ، وغير ذلك من سائر المخلوقات ، فلا يجوز أن تقول على الانفراد يا خالق الأقذار والأنجاس ونحو ذلك من طريق الأدب ، وأنه لم يؤذن لنا في ذلك ، بل ندعوه بأسمائه الحسنى كما أمر ، فقال : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] . انظر : الإنصاف ( ص 166 ) بتحقيقنا .