مجموعة مؤلفين
133
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
--> في بستان ، وكان يعتقد شيئا من ذلك ، فأخذ سفرجلة وقطعها من الشجرة ، وقال له : ألست أنا قطعت هذه السفرجلة ؟ فقال له رضي اللّه عنه مجيبا : إن كنت تزعم أنك خلقت هذه التفرقة فيها فاخلق وصلها بالشجرة حتى تعود كما كانت . فبهت وتحير ولم يقدر على جواب . وبلغني أيضا أن بعض القدرية وقف على إحدى رجليه وشال الأخرى ، وقال : ألست أنا رفعت هذه وحططت هذه ؟ فقال له بعض أهل السنة : إن كنت تزعم أنك خلقت الشيل في هذه المشتالة فاخلق الشيل في الأخرى حتى تصير مشتالة معها ، فبان له الحق ورجع عن قوله الباطل . دليل آخر من جهة العقل : وهو أنك تقول : حقيقة الخلق والإحداث هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، وإذا كان الواحد منا على زعمكم يقدر أن يخلق حركة معدومة حتى يخرجها من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق شيئا زائدا فيخرجه من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق له لونا غير لونه فيخرجه من العدم إلى الوجود ، وفي هذا القول الخبيث التسوية بين قدرة اللّه تعالى وقدرة العباد ، وأنهم يقدرون على ما يقدر عليه . تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا . فصل في ذلك أيضا نذكر فيه شبها يزعمون أن لهم فيها حجة ، وليس حجة بحمد اللّه تعالى ، كما قال : حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الشورى : 16 ] . فإن احتجوا بقوله تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة : 17 ] قالوا : فأثبت لنا العمل ، والعمل هو الفعل ، والفعل هو الخلق ، فالجواب : أنه تعالى أرادها هنا بالعمل الكسب ، والعبد مكتسب على ما بينا . ويدل على ذلك : أنه قال في موضع آخر : جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ التوبة : 82 ] نحن لا نمنع أن يكون سمي كسب العبد عملا له ، إنما نمنع أن يكون العبد خالقا مخترعا لفعله مخرجا له من العدم إلى الوجود ، وقد بينا أن الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، فلم يكن لهم في الآية حجة . فإن احتجوا بقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ، وبقوله تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ السجدة : 7 ] وبقوله تعالى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ [ المائدة : 110 ] فالجواب من أوجه : أحدها : أنه يعني بقوله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] يعني أحسن المقدرين ، فعيسى عليه السّلام يقدر الطين صورة ، والخلق يقدرون الصورة صورة ، لا أنهم يخرجون الصورة من العدم إلى الوجود ، فقال تعالى : أَحْسَنُ الْخالِقِينَ أي المقدرين . فاعلم ذلك . جواب آخر : وذلك أن اللّه تعالى هو الخالق لا خالق سواه ، لكن لما ذكر معه غيره قال : أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وإن كان هو الخالق على الحقيقة دون غيره ، كما يقال : عدل العمرين ، وإنما هو أبو