مجموعة مؤلفين
130
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
الباب الثالث في الأفعال وفيه فصول الفصل الأول في أفعال العباد « 1 »
--> ( 1 ) قال الباقلاني : اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن اللّه تعالى هو الخالق وحده ، لا يجوز أن يكون خالق سواه ، فإن جميع الموجودات من أشخاص العباد وأفعالهم وحركات الحيوانات قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها خلق له تعالى لا خالق لها غيره ؛ فهي منه خلق وللعباد كسب ، على ما قدمنا بيانه بقوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] وأمثال هذه الآية من الأدلة على الفرق بين الخلق والاختراع والكسب ، فالواحد منا إذا سمي فاعلا فإنما يسمى فاعلا بمعنى أنه مكتسب ، لا بمعنى أنه خالق لشيء وقالت المعتزلة ، والنجارية ، والجهمية ، والروافض : إن أفعال العباد مخلوقة للعباد بقدرة العباد ، وإن كل واحد منا ينشئ ما ينشئ ويخلق ما يفعل ، وليس للّه تعالى على أفعالنا قدرة جملة ، ونعوذ باللّه من هذا الاعتقاد وسوء المقال ، والدليل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة وبطلان قول من خالفهم من أهل الزيغ والبدع الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأدلة العقل . فالدليل من الكتاب أكثر مما يحصى ، لكن أذكر منه ثلاثة تنبه اللبيب على بقيتها إن شاء اللّه تعالى ، فمن ذلك قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 96 ] فأخبر تعالى أنه خالق لأعمالنا على العموم ، كما أخبر أنه خالق لصورنا وذواتنا على العموم ، وهذا من أوضح الأدلة من الكتاب . الثاني : قوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] ومعلوم أن أفعالنا مخلوقة إجماعا ، وإن اختلفنا في خالقها ، وهو تعالى قد أدخل في خلقه كل شيء مخلوق ، فدل على أنه لا خالق لشيء مخلوق غيره سبحانه وتعالى . فإن قيل فكلامه شيء فيجب أن يكون مخلوقا ، قلنا : قد احترزنا بحمد اللّه تعالى عن هذا السؤال بقولنا : إنه أخبر أنه خلق كل شيء مخلوق ، وكلامه وصفات ذاته تعالى قد أثبتنا أنها غير مخلوقة ولا خالقة ؛ بل هي صفة الخالق تعالى قديمة بقدمه موجودة بوجوده قبل جميع المخلوقات ؛ فبطل هذه السؤال .