مجموعة مؤلفين

119

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

الصورة ، وهو علم عجيب ، قليل من أهل اللّه من يقف عليه ؛ فيكون المنسوب إلى اللّه في مثل هذه الصورة بحسب ما هي عليه ، هذا إذا وقع التجلي في المواد النورية والطبيعية ، فإن وقع التجلي في غير مادة نورية ولا طبيعية وتجلى في المعاني المجردة ، فيكون بما يقال في مثل هذا : إنه كلام ، فمن حيث أثره في المتجلى له لا من حيث إنه تكلم كذا تلك الآثار كلها من طبقات الكلام الذي تقدم تسمى كلمات اللّه جمع كلمة ، وهي أعيان الكائنات ، قال تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : 171 ] ، وهو عين عيسى ، ولم يلق إليها غير ذلك ، ولا علمت غير ذلك ، فلو كانت الكلمة الإلهية قولا من اللّه ، وكلاما لها مثل كلامه لموسى عليه السّلام ، ومريم لم تقل بالتثني قبل هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [ مريم : 23 ] ، فلم تكن الكلمة الإلهية التي ألقيت إليها إلا عين عيسى - روح اللّه - وكلمته عَبْدُ [ مريم : 30 ] مقام فنطق عيسى ببراءة أمة في غير الحالة المعتادة ليكون آية ، فكان نطقه كلام اللّه في نفس الرحمن ، فنفس اللّه عن أمه بذلك ما كان أصابها من كلام أهلها مما طهرها اللّه عنه . ومن هنا قالت المعتزلة : إن المتكلم من خلق الكلام فيما ليس من شأنه أن يتكلم ، فذلك كلام اللّه مثل الجماد والنبات وحالة عيسى ، إلا القائلين بالشكل الغريب ، فيجعلون مثل هذا من الأشكال الحادثة في الكون ، وقد بينا لك معنى كلم اللّه وكلماته وكلام اللّه تعالى وعلمه وعلمه ذاته ، ولا يصح أن يكون كلامه ليس هو ، فإن كان يوصف بأنه محكوم عليه بالزائد على ذاته ، وهو لا يحكم عليه تعالى ، وكل ذي كلام موصوف بأنه قادر على أن يتكلم ، فيكون كلامه مخلوق ، وكلامه قديم في مذهب الأشعري ، وعين ذاته في مذهب غيره من العقلاء ، فنسبة الكلام إلى اللّه مجهولة لا تعرف ؛ لأن ذاته لا تعرف ، ولا يثبت الكلام [ . . . . . ] إلا شرعا ، ليس في قوة العقل إدراكه من حيث فكره فافهم .