مجموعة مؤلفين
102
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
الفصل الثاني في الحيرة اللّه تعالى حيّ اتفاقا من أهل الملل وغيرهم ؛ لأنه عالم قادر ، وكل عالم قادر فهو حي بالضرورة ، لكنهم اختلفوا في معنى حياته ، لأنها في « الشاهد » إما اعتدال المزاج النوعي ، وإما قوة تتبع ذلك الاعتدال ، ولا يتصور ذلك في حياة تعالى ، ومذهب الفلاسفة : إلى أنها هي كونه يصح أن يعلم ويقدر . وذهب جمهور أهل السّنة إلى : أنها صفة توجب تلك الصحة ، إذ لولا اختصاصه بصفة توجب صحة العلم الكامل والقدرة الشاملة ، لكان اختصاصه بصحة العلم والقدرة ترجيحا بلا مرجح ، وهو منقوض باختصاصه بتلك الصفة ، واستدلالهم هذا مبني على تماثل الذوات والحق أن ذاته تعالى مخالفة بالحقيقة لسائر الذوات . وأنا أتعجب من الجمهور كيف أمكنهم القول بتماثل الذوات ؟ فلا تغفل فإنه من مذلة قدم ، وإذا كانت ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات بالحقيقة ، فيقتضي هو لذاته الاختصاص بأمر ، ولا يلزم ترجيح بلا مرجح ، ومن أراد إثبات أمر وراء الصحة فعليه بالدليل ، وقال الإمام الرازي : الحياة في اللغة ليست عبارة عن هذه الصحة بل كل شيء كان كاملا في جنسه ، فإنه يسمى حيّا ، ألا ترى أن عمارة الأرض الخربة يسمى إحياء الموات ، وقد قال تعالى : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ الروم : 50 ] ، وقال تعالى : إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ [ فاطر : 9 ] . والصفة المسماة في عرف المتكلمين إنما سميت بالحياة ؛ لأن كمال حال الجسم إنما يكون موصوفا بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة ، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة خضرة ، فلا جرم سميت هذه الحالة حياة ، فثبت أن المفهوم الأصلي من