الشيخ عبد الله العروسي

161

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية

أرحمك » في ذلك دلالة على أنّه سبق في علمه تعالى أنّ رحمته لعبده تكون على هذا البلاء الذي هو شرط للصبر ، فكيف يسأل رفعه ؟ فالعبد إنما ترتفع درجته بحسن صبره على ما ابتلاه به ، فالبلاء شرط للصبر المرتب عليه الجزاء العظيم ، فإذا ابتلاه ربه ببلاء فدعاه أن يعافيه منه ، فكأنّه يقول : يا رب أزل عني ما به ترحمني ، ( وقال ابن عيينة في معنى قوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السجدة : 24 ] قال ) زايد : ( لما أخذوا برأس الأمر ) وهو الصبر لما مرّ أنّه من الدين بمنزلة الرأس من الجسد ( جعلناهم رؤساء ) أي أئمة يقتدى بهم . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : إنّ الصبر حده أن لا تعترض ) أنت ( على التقدير ) عليك بما حل بك ( فإما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى ) كان يخبر به صاحبه ممن سأله عن حاله من قريب ، أو طبيب أو نحوه ( فلا ينافي الصبر قال اللّه تعالى : في قصة أيوب إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 44 ] مع ما أخبر عنه تعالى أنّه قال : مَسَّنِيَ الضُّرُّ [ الأنبياء : 83 ] ، وسمعته أيضا ( يقول : استخرج ) اللّه ( منه ) أي من أيوب مع كماله صبره ( هذه المقالة يعني قوله : مسني الضر لتكون ) المقالة ( متنفسا ) بفتح الفاء ( لضعفاء هذه الأمة ) ممن مسه الضر حيث يدعونه بها اقتداء ، فينفس كربهم ويرحمون ، ( وقال بعضهم ) قال تعالى : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً ولم يقل صبورا أو صبارا ( لأنّه لم تكن جميع أحواله الصبر ) حتى يتوالى عليه فيها ( بل كان في بعض أحواله يستلذ البلاء ، ويستعذبه ، فلم يكن في حال الاستلذاذ صابرا ) لكونه يعده نعمة ، ومن يعده نعمة ، فأدبه الشكر ( فلذلك لم يقل : صبورا ) أو صابرا ، وهذا ثناء من اللّه تعالى على أيوب عليه السلام لكونه لم يكن في بعض أحوال بلائه صابرا بل كان متنعما شاكرا ، وحال الشكر أتم من حال الصبر . ( سمعت الأستاذ أبا عليّ رحمه اللّه يقول : حقيقة الصبر ) أي غلبة حاله على القلب ( الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه ) أي بقدره لأنّ غالب جزع الناس منه إنما هو عند أول صدمته ، ولذلك كان الصبر