ست العجم بنت النفيس البغدادية

85

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

يريد به تأييد ما ذكرناه من خلق آدم على الصورة ، ويؤيده قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن « 1 » » وذلك أن الرحمن في الرتبة يشابه باسم اللّه الجامع لمجموع الأسماء ، والتحقيق قد صار لهذه الصورة مثالا لتأييد الحديث والآية أما الحديث فقد ذكرناه وأما الآية : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [ الإسراء : 110 ] ، فقوله : ( أنا الشيء بلا مثلية ) يريد به واحديته في العصر . وقوله : ( أنت الشيء بالمثلية ) لأن الكامل مخلوق على الصورة الرحمانية ولهذا قيل له في الجواب : ( صدقت ) والتصديق تأييد لما ذكرناه لأن كلام اللّه حق . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ما أنت بشيء ولا كنت شيئا ولست على شيء قلت له : نعم لو كنت شيئا لأدركني جواز الإدراك ، ولو كنت على شيء لقامت النسب الثلاث ، فلو أني الشيء لكان لي مقابل ولا مقابل لي ) ] . ( ش ) أقول : إن نفي الشيئية عنه وإثباتها بأنت يدل على فناء الأشياء ، وإلحاقها صفة بالموصوف ، ففناؤه بقوله : ( ما أنت شيء ) وثبوته صفة بقوله : ( أنت ) لأنها وإن كانت لفظة لا يكون إلا مع ثنوية ، والصفة في مقام إدراكها عارية عن الاختيار ، وإن كانت لها عين ثابتة لكن قوله : ( ما أنت شيء ) أوجب عراها عن الاختيار . وقوله : ( ولا كنت شيئا ) لأنه لا حقيقة للوجود الظاهر المدعى عليه بالإدراك وإنما هو مستهلك في الهوية كما ذكرنا ، فيؤيد بقوله : ( ولا كنت شيئا ) أنه ليس لك في الظاهر حقيقة ، ولا في هذا المقام اختيار لأن العاري عن الاختيار لا حقيقة لإرادته ولا معنى للوجود إلا القدرة على الإرادة قوله : ( ولست على شيء ) لأنه ليس لمعرفته نتيجة إذ ليس فوقه مقام مماثل لها ، والعاري عن المثلية ليس له دليل ، ولهذا أجاب ( بنعم ) لأن العارف يتيقن أن له ثاني كعلم اللّه بالأحدية النافية للثنوية . وأقول معنى قوله : ( لو كنت شيئا لأدركني جواز الإدراك ) لأنه مستهلك في الهوية ففي حال فنائه هو لا شيء وفناؤه غير مدرك ، فلو أدرك فناؤه للمدركين لجازوا له هذا الفناء ، ولو كانوا شاهدين كشهوده لما كانوا متمايزين إذ الممايزات أوجبت الكمال

--> ( 1 ) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في زوائد الهيثمي ( 2 / 831 ) ، وعبد اللّه بن أحمد في السنة ( 1 / 268 ) ، وكذا ابن أبي عاصم ( 1 / 219 ) ، والطبراني في الكبير ( 12 / 430 ) ، والدارقطني في الصفات ( 37 ) .