ست العجم بنت النفيس البغدادية

398

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

( ش ) أقول : يريد بهذه الطائفة أناسا ينسبون الأفعال إلى أنفسهم ، وفاتهم أن الأفعال لا يليق نسبتها إلا بالرب تعالى ، لأجل نفوذ حكمه في الموجودات حاكما محكوما عليه ، فالأفعال لا تليق إلا به بالمقترنة بالقدرة ، بخلاف المحكوم عليه الذي هو العبد إذ لا قدرة له ولا حكم ، فمن أين يصح دعوى هؤلاء مع ثبوت الحكم عليهم والعجز والخوف اللازم لهم ؟ وهذه حجج اللّه ظاهرة على حقائق هؤلاء فلا جرم شهدهم وقد حق عليهم العذاب من جملة من تقدم عليهم من المفترين . ( ص ) [ قوله : ( أين الروحانيون فأتي بهم ، فرأيتهم أقبح الناس صورا وأشمت الناس حالا إلا طائفة واحدة منهم ، عزلت عنهم في كنف النبيين والصدّيقين تحت سرادق الأمن ، فقال لي : انتظم معهم إن أردت النجاة واسلك سبيلهم لا تنتظم معهم ما دامت الميم ، فإذا فني الميم ، فانتظم معهم ما دامت المعية ، فإذا فنيت المعية فاحكم بما شئت ، ولا جناح عليك ، وإن لم تعمل هلكت برؤيتك عاملا والسلام ) ] . ( ش ) أقول : يريد بالروحانية طائفة تقول بفيض العالم العلوي على السفلي خصوصا بالكواكب مع جحود الفاعل تعالى وهم الصابئة ، فلأجل جحود الفاعل رآهم أقبح الناس صورا لأنه لم يوجد من قال بجحود فاعل واحد من الروحانيين إلا هؤلاء . وقوله : ( إلا طائفة منهم عزلت عنهم في كنف النبيين والصدّيقين ) ، يريد بهم التابعين الموافقين للرسل فإنهم يقولون : إن الكواكب آيات اللّه وأماراته على أفعاله ، وهذا يوافق الآية وهي قوله تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ [ الإسراء : 12 ] ، فالقائلون بهذه الآيات قسم من الروحانيين ، لأنهم نسبوا فعلها إلى اللّه تعالى ، وجعلوا فعل اللّه تعالى مخلوقا عندها ، كما جعل الري عند الماء والشبع عند الخبز ، فهؤلاء هم الذين عزلوا في كنف النبيين والصدّيقين عليهم السلام ، وهم تحت سرادق الأمن كما ذكر . وقوله : ( فقال لي : انتظم معهم إن أردت النجاة واسلك سبيلهم ) ، يريد به انتظامه مع القائلين بالوسائط انتظاما قلبيا يكاد يلتحق بالاتحاد ، ولهذا قال له : ( لا تنتظم معهم ما دام الميم ) ، يشير به إلى ميم المعية ، وهو قوله تعالى : ( معهم ) أي : يكون مصاحبتك لهم ظاهرة ، ولأجل ذلك قلنا : إنها قلبية لكنه يريد بهذا الانتظام انتظام الاتصاف ، وهو الذي يشبه الاتحاد ، وهذا الخطاب قد حصل له عند اتصافه بجمع الجمع وهو فناء الأعيان التي يشهدها متمايزة عند الجمع بين النقيضين ، وهذا الفناء هو عين البقاء ، فهناك يعود الشاهد متصفا بالأعيان المتميزة ولا حقيقة لتمايزها إلا ذهنا ، فتثبت