ست العجم بنت النفيس البغدادية

395

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

تابعهم فإنهم هالكون ، فإذا ثبتت الحقيقة كان هؤلاء ناجين ، وإذا حكم الظاهر كانوا هالكين فهذا ظاهر ، وأما حقيقته فيريد بها أن بقاء العارف وصفاته في الذات هو عين هلاكه وفناءه مع صفاته فيها هو عين النجاة ، فكأنه يقول له : إن بقيت في الوجود مع الصفات كنت هالكا ، وإن فنيت في ذاتي فأنت ناجي ، وهذا مما حصل له قبل الكمال . ( ص ) [ قوله : ( ألق سمعك واشهد ، فهذا ميزان العدل قد نصب ، وصراط الحق قد مدت ، وجحيم الخلاف قد سعّرت ، وجنان الموافقة قد أزلفت ) ] . ( ش ) أقول : يريد به الإشارة إلى دوام الاستماع والشهود مع عدم الاعتراض بالأمر ، وهذا مثل مفتتح هذا الشهود ، فإننا قلنا : إن شهوده يشبه التنزه . وقوله : ( وهذا ميزان العدل قد نصب ) ، يشير به إلى عطاء الاستحقاق بقدر السعة لأنه لا يكون إلا بميزان الحق الذي ينشأ عن التقدير ، وهذا من قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [ السجدة : 13 ] ، وتحقيق القول هاهنا هو التقدير مقترنا بالقضاء هذا كله والحق تعالى مستو على عرش الفصل . وقوله : ( وجحيم الخلاف قد سعرت ) ، يشير به إلى خلاف الكافر للرسول كما أزلفت الجنة للموافق له ، أيضا فإنه من حين يستوي اللّه تعالى على عرش الفصل يظهر بحقيقتي النار والجنة معدتين لأهلها قبل الحجاج افترق المتحاجّون إلى الجنة والنار على ما يحكم لهم به . ( ص ) [ قوله : ( فإذا النداء أين ذوو العقول بزعمهم ، فجيء بالفلاسفة ومن تابعهم فأدخلوا في السرادق فسئلوا فيما صرفتم عقولكم ؟ قالوا : فيما يرضيك ، قال : ومن أين علمتم ذلك ، بمجرد العقل ، أم بالاتباع والاقتداء ؟ فقالوا : بمجرد عقولنا ، فقال : لا عقلتم ولا أفلحتم ، لكنكم تحكمتم ، يا نار تحكمي فيهم ، فسمعت ضجيجهم بين أطباق النيران بالويل ، فقلت : من يعذبهم ؟ قال لي : عقولهم ، فهو كان معبودهم ما سألهم سواهم ، ولا عذبهم غيرهم ) ] . ( ش ) أقول : يريد بالنداء الصيحة التي تخلص بين المتمازجين المتماثلين في الصورة ، وهذه الصيحة نشأت من قوله تعالى : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [ يس : 59 ] ، أراد تخليص المؤمن من الكافر بمعزل لائق بالإيمان ، وهذا النداء نشأ من المنزه تعالى ، ولهذا بدأ بخطاب أرباب العقول ، وإن كان الحكم هاهنا للرب لكنه قد ظهر هاهنا بصفة التنزيه ، ولهذا كان للفلاسفة من أرباب العقول .