ست العجم بنت النفيس البغدادية

387

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

الفانية في الذات ، ثم يستولي بعد هذا الآن ظلمة بعدم التقييد فيفني حقائق الأشياء المتميزة في الذات ، ويعود ذاتا بغير اسم ولا صفة ، فهناك يتصف هذا المراد للكمال بالمحو مع سائر الموجودات ، وهذا معنى : قوله : ( وأحرقت القبة والأساس والأثاث والأوتاد ) ، يشير به إلى فناء جميع المتميزات . وقوله : ( ثم أحييتهم فقلت لهم : انظروا إلى ما استمسكتم به ، فنظروا فوجدوا هباء منثورا ) ، أقول : يريد بإحيائهم بقاؤهم في الذات ، فإن الحياة على الإطلاق لها وعين المحو والفناء هو الاتصاف بأوصافها التي من جملتها الإطلاق ، فإذا محيت الأشياء تعود « 1 » في الذات بمنزلة الصفات أو المعاني ، وكل هذه المعاني مكمنة في ذات هذا المتصف بالمحو ولا يقدر على إظهارها من أجل [ أن ] الموجودات فانية عنده آن محوه ، فلا يقدر على العبادة إلى حيث يتميز له الموجودات ، ويتصف بالعدم والوجود معا ، وهو الجمع الجامع بين النقيضين ، فما دام ممحوا تكون الأشياء في ذاته بمنزلة المعاني لكنها متصفة بالبقاء الحقيقي ، فكأن اللّه تعالى يقول لهذه المعاني : انظري إلى وجودك الذي كنت عليه ، وكان حقيقة عدمك ، فنظرت إليه من حيث اتصاف الذات بالتقييد ، فوجدته هباء منثورا . قوله : ( ثم قال لي : كن مع أصحاب العمد ، وإن لم تكن معهم هلكت ، وإن صاحبتهم هلكت ) أقول : مراده بهذا الخطاب أن ينبه هذا الشاهد على مصاحبة الأولياء السابقين بالمعية والاتحاد ، فالمعية هي جريه مقتفيا لآثارهم ، والاتحاد ضرورة الاتصاف بمجموع الوجود ، فإن كل واحد من الكاملين المتصفين بمجموع الوجود ، كل يعود الأولياء السابقون له بمنزلة الصفات ، فهو معهم من حيث الاتصاف بهم ، وهم أصحاب العمد لأجل تفردهم في الأعصار واتصاف كل منهم بالفردانية لأجل أن وجودهم واحد ، فهو معهم في حال اتصافه بهم اتحادا ، وفي حال جريه على منهاجهم « 2 » معية . وقوله : ( وإن لم تكن معهم هلكت ) ، يريد به أن العارف لا يتصف بالكمال حتى يتصف بمجموع الوجود ، فإذا حصل هذا الاتصاف ضرورة اشتمل على الكاملين المتقدمين عليه بالزمان ، وإن لم يحصل له هذا الاتصاف يكون من حزب الجاهلين والجهل

--> ( 1 ) في الأصل يعود وتم تغييرها لمناسبة السياق . ( 2 ) غير واضحة في الأصل .