ست العجم بنت النفيس البغدادية

110

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

وقوله : ( ثم أرسل البحر الأخضر بيني وبينها فغرقت فيه ) البحر الأخضر ها هنا صورة الصفاء « 1 » وهي صفة الحياة الصرفة فقد يشهد الماء ، ولا يتيقن الشاهد أنه محل الحياة ، ولذلك سماه بحرا أخضرا ، لأنه شديد الصفاء الذي يميل به إلى السواد والخضرة مائلة إلى السواد ، وإرسال البحر الأخضر بينه وبين اليد لأنه صفاء كما قلنا ، والماء محل المزاج كما هو محل الحياة ، فكأنه أرسل لسن شيء في الشاهد القوة ، ولهذا قال : بيني وبينها لأنه لم يكن من قبل اتصف بها ، وقبل الاتصاف بالقوة لم يكن شديد الجري في شهوده ، فأرسل له البحر بريا عن الكدر ليجري فيه بلا وقفة بعد اتصافه بالقوة ، وكيفية الإرسال شهود حضرة ليس اللّه فيها حاضرا بالمعية ، وإنما هو حاضر بفناء الشاهد نفسه متصفا بالهوية ولا يدرك في حضرته معية فالموارد التي ترد عليه يدركها كأنها بعثة لأنه لم يدرك الثنوية في الشهود لم يعط عطاء حاضرا ، وإنما يكون عطاؤه كالبعثة يدركه آتيا من بعيد إلى قريب ، وهذا ليس في كل شهود ، وإنما هو في شهود مخصوص نزر ، وهذا الشهود الذي قد شهد فيه القوة من جملة هذا الشهود المذكور ، فكأنه قال : رأيت القوة في صورة اليد ، ولم أتصف بها إلى حيث أرسل اللّه الصفاء في صورة بحر إذ البحر لا جري فيه إلى حيث أدرك القوة ، ويتحقق لي الاتصاف ، ولهذا قال : ( فغرقت فيه ) فكأنه جرى في الصفاء المعبر عنه بالبحر ، وتعبيره عن هذا الولوج بالغرق لأنه ولوج تلجج غامر يستهلك الجاري فيه لأن الغرق استهلاك ، ومراده به التلجج فيه قوله : ( ورأيت لوحا ) يعني به أنه في حال الجري المعبر عنه بالولوج حصلت له وقفة تفضي بصاحبها إلى النجاة من الهلاك المعبر عنه بالغمر ، وهذا اللوح هو صفة اليقين فكأنه لما تيقن الصفاء بينه وبين القوة في هذا الشهود حصلت له الوقفة ، وهو اليقين فاستعلى عليه كاستعلاء الغريق على لوح نجدة ، لأنه قد وجد اليقين عند الهلاك في البحر صورة لوح يستعلى عليه كالوقفة إذ اليقين وقفة ، فمتى حصل للجاري يقين في جريه وقف وحصل له الخلاص من استهلاك محل الجري

--> ( 1 ) الصفاء : اسم للبراءة من الجدر ، وهو بسقوط التلوين الواقع في الوقت وصورته في البدايات : صفاء علم يهذب العمل ويعد النفس للسلوك ، وفي الأبواب صفاء نفس بزهد في الدنيا ويصحح الورع والتقوى ، وفي المعاملات صفاء عقيدة يحقق الإخلاص ويصحح التوكل والتسليم وفي الأخلاق : صفاء باطن يزكي النفس ويقوي الصدق ويحصل الفتوة ، وفي الأصول : صفاء قلق يصحح القصد ويقوي العزم ويورث الفقر وفي الأدوية : صفاء لب يورث الحكمة ويصدق الفراسة ويحقق الإلهام ، وفي الأحوال حال يشاهد به شواهد التحقيق بتجليات .