عبد الرحمن جامي
39
شرح الجامي على فصوص الحكم
[ مقدمة الشارح ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي زين خواتم قلوب أولى الهمم بفصوص نصوص الحكم ، وختم بها باب النبوّة مرة ، وباب الولاية الخاصة أخرى ، وسيختم بها الولاية المطلقة على من هو أحق بها من أوليائه . والصلاة والسلام على مهبط كلمه التامة الكاملة ومقسم نعمه العامة الشاملة وعلى من آل من عترته أمره إليه أو فاز في صحبته بالمثول بين يديه . أما بعد ، فاعلم أن الحكم الفائضة من الحق سبحانه على قلوب كمل عباده وخلص عبيده على أنواع ، منها : ما يفيض عليهم بواسطة الملائكة المقربين بألفاظ وعبارات محفوظة من التغيير والتبديل مرادة قراءتها وهو القرآن المنزل على نبينا صلى اللّه عليه وسلم بواسطة الروح الأمين . ومنها : ما يفيض عليهم بواسطة أو بغير واسطة معاني صرفة أو معبرة بعبارات غير متلوة ، ومن هذا القبيل الأحاديث القدسية ، فهي إما ما فاضت عليه صلى اللّه عليه وسلم معاني صرفة لكنه كساها أكسية عباراته الخاصة أو بعبارات مخصوصة غير مراد ضبطها وتلاوتها . وهذا النوع ليس مخصوصا بالأنبياء بل يعم الأولياء وصالحي المؤمنين ، ومنها : ما يفيض من بعض الكمل على بعض كما يفيض من روح نبينا صلى اللّه عليه وسلم على خواص متابعيه ما يفيض بقدر متابعتهم وقوّة مناسبتهم ، ومن عجائب هذا النوع ما فاض من قلبه الأنور وروحه الأطهر كتاب « فصوص الحكم » بجملة ما فيه من الحكم والأسرار دفعة واحدة على قلب الشيخ الكامل المكمل محيي الملة والدين أبي عبد اللّه محمد بن علي المعروف بابن العربي الطائي الحاتمي ، الأندلسي ، قدس اللّه تعالى روحه وكثر من عند فتوحه ، ثم أني كنت برهة من الزمان مشغوفا بمطالعته مشغولا بمذاكرته ، ولم أجد أستاذا يمن على مستفيده بشرح مشكلاته ولا مرشدا يرشد مريديه إلى كشف معضلاته فقصدت إلى جمع شروحه وجعلتها مفاتيح أبواب فتوحه وطالعتها مرة بعد مرة ورجعت إليها كرة بعد كرة حتى استقر رأيي على أن انتخبت منها ما يجديني في حل مبانيه ويكفيني في فهم معانيه ، وأضفت إليه ما سنح في أثناء المطالعة لبالي وسمح به وقتي وحالي ، فجاء بحمد اللّه كما يبغيه الأصحاب ويرتضيه أولوا الألباب وها أنا أشرع فيه الآن بعون المهيمن المنان .