عبد الرحمن جامي
20
شرح الجامي على فصوص الحكم
عقيدة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي فيا إخوتي ويا أحبائي رضي اللّه عنكم ، أشهدكم عبد ضعيف مسكين فقير إلى اللّه تعالى في كل لحظة وطرفة ، وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه ، أشهدكم على نفسه بعد أن أشهد اللّه تعالى وملائكته ، ومن حضره من المؤمنين وسمعه أنه يشهد قولا وعقدا ، أن اللّه تعالى إله واحد ، لا ثاني له في ألوهيته منزّه عن الصاحبة والولد ، مالك لا شريك له ملك لا وزير له ، صانع لا مدبّر معه ، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده ، بل كل موجود سواه مفتقر إليه تعالى في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو وحده متّصف بالوجود لنفسه ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجود مطلق غير مقيد قائم بنفسه ، ليس بجوهر متحيّز فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء ، مقدّس عن الجهات والأقطار ، مرئي بالقلوب والأبصار ، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله ، وعلى المعنى الذي أراده ، كما أنّ العرش وما سواه به استوى ، وله الآخرة والأولى ، ليس له مثل معقول ولا دلّت عليه العقول ، لا يحده زمان ، ولا يقله مكان ، بل كان ولامكان ، وهو على ما عليه كان ، خلق المتمكن والمكان ، وأنشأ الزمان ، وقال : أنا الواحد الحي لا يؤوده حفظ المخلوقات ، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات ، تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو تكون بعده أو يكون قبلها ، بل يقال كان ولا شيء معه ، فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه ، فهو القيوم الذي لا ينام ، والقهار الذي لا يرام ، ليس كمثله شيء ، خلق العرش وجعله حد الاستواء ، وأنشأ الكرسيّ وأوسعه الأرض والسماوات العلى ، اخترع اللوح والقلم الأعلى ، وأجراه كاتبا بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء ، أبدع العالم كله على غير مثال سبق ، وخلق الخلق ، وأخلق الذي خلق ، أنزل الأرواح في الأشباح أمناء ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء ، وسخّر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، فلا تتحرّك ذرّة إلّا إليه وعنه ، خلق الكل من غير حاجة إليه ، ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه سبق بأن يخلق ما خلق ، فهو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو على كل شيء قدير ، أحاط بكل شيء