محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
85
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
--> - يريدها ليالي كثيرة ، ورضاه في الطاعة ؛ ليرغبوا في الكل ، وغضبه في المعاصي ؛ ليتجرّدوا عن الكل ، ووقت الموت ؛ ليكون المكلّف على احتياط في جميع الأوقات . وكان الشيخ محيي الدين العربي قدّس سرّه يقول : ومن أين لعامّة الناس أن يعلموا أسرار الحق تعالى في خواص عباده من الأولياء ، وشروق نوره في قلوبهم ، ولذلك لم يجعلهم إلا مستورين عن غالب خلقه ؛ لجلالتهم عنده ، ولو كانوا ظاهرين فيما بينهم وآذاهم إنسان لكان قد بارز الحق تعالى بالمحاربة ، فأهلكه اللّه تعالى ، فكان سترهم على الخلق شفقة على من آذاهم . ومن ظهر من الأولياء للخلق إنما ظهر لهم من حيث ظاهر علمه ودلالته ، وأمّا من حيث سرّ ولايته فهو باطن لم يزل . وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي قدّس سرّه يقول : لكل وليّ ستر أو أستار نظير السبعين حجابا التي وردت في حق الحق سبحانه وتعالى ، حتى أنه لم يعرف إلا من ورائها فكذلك الولي . فمنهم : من يكون سرّه بالأسباب . ومنهم : من يكون سرّه بظهور العزة والسطوة والقهر على حسب ما يتجلّى الحق تعالى لقلبه ، فيقول الناس : حاشا للّه أن يكون هذا وليّا للّه تعالى ، وهو في هذه النفس أو التعاظم ؛ وذلك لأن الحق تعالى إذا تجلّى في قلب العبد بصفة القهر كان قهّارا ، أو بصفة الانتقام كان منتقما ، أو بصفة الرحمة كان رحيما مشفقا وهكذا ، ثم لا يصحب ذلك الولي اللّه ، ظهر بمظهر العزّ والسطوة والانتقام من المريدين إلا من محق اللّه تعالى نفسه وهواه ، ولم يزل في كل عصر وأوان أولياء وعلماء تذلّ لهم ملوك الزمان ، ويعاملونهم بالسمع والطاعة والإذعان . ومنهم : من يكون ستره بالاشتغال بالعلم الظاهر ، والجمود على ظاهر النّقول ، حتى لا تكاد تخرجه عن آحاد طلبة العلم القاصرين . ومنهم : من يكون ستره بالمزاحمة على الدنيا ، وتظاهره بحبّ الرئاسة والملابس الفاخرة وهو على قدم عظيم في الباطن . ومنهم : من يكون ستره كثرة التردد إلى الملوك والأغنياء وسؤالهم الدنيا وغير ذلك ، فيقول القصير الفهم والإدراك : لو كان هذا وليّا للّه ما تردّد إلى هؤلاء الأمراء ، أو الأغنياء ، أو لأي شيء ، ما جلس في زوايته أو بيته يشتغل بعبادة ربّه ، ورحم اللّه الأولياء الماضين الذين كانوا في الزمن الماضي ونحو ذلك من ألفاظ الجور . ولو استبرأ هذا القائل لدينه وعرضه لتوقّف وتبصّر في أمر هؤلاء الأولياء والعلماء قبل أن يستنقد عليهم ، فربما كان ترددهم لكشف ضرر أو خلاص مظلوم من سجن أو قضاء حاجة مثلا ، فيجب عليهم الدخول لتلك المصالح ، ويحرم عليهم التخلّف عنهم ، لا سيما إذا رأينا المتردد من الأولياء والعلماء زاهدا فيما في أيدهم ، متعززا بعزّ الإيمان وقت مجالستهم ، آمرا لهم بالمعروف ، وناهيا لهم عن المنكر ، لا يقبل هدية ممن شفع له عندهم ، فإن هذا من المحسنين ولا يجوز الاعتراض عليه بسبب ذلك . -