محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
54
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
قالوا تزهّد فقلت الزهد لي حجب * عن الحقيقة في أطوار تحقيق الزهد غير وما للغير من أثر * عند العيان إذا رقوا بتوفيق
--> - المشاهدة ؛ لاستواء القلب ، ومعه يستوي المدح والذم ، لسقوط النفس وذهاب رؤية الخلق ، فعندها خلص الإخلاص إلى قلبه لصفاء الزهد ، وثبت الزهد لسقوط النفس . وقال : قال لي سري السقطي : اجتهد ألا تستعمل من آنية بيتك إلا جنسك . وقال : سمعت السري يقول : مارست كل شيء من أمر الزهد ، فنلت منه ما أريد إلا الزهد من الناس ، فإني لم أبلغه ، ولم أطقه . حكى لنا الجنيد فقال : اجتمع أربعة من الأبدال في جامع المنصور ليلة العيد ، فلما أسحروا ، قال أحدهم : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد في بيت المقدس . وقال الآخر : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بطرسوس . وقال الثالث : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد بمكة . وسكت الرابع وكان أعرفهم ، فقيل له : أنت أي شيء نويت ؟ فقال : أما أنا فقد نويت اليوم ترك الشهوات ، لا أصلي إلا في هذا المسجد الذي بت فيه ، فقالوا : أنت أعلمنا ، فقعدوا عنده . اختلف أهل العلم بين عبدين : الأول : ترك الذنب ونفسه تنازعه إليه وهو يجاهدها ، والثاني : ترك الذنب ولم تكن نفسه تطالبه ولا تنازعه ، ولم يكن في قلبه منه ثقل ولا مجاهدة ، أيّ هذين أفضل ؟ . قال العلماء : الذي سمحت نفسه بالبذل طوعا من غير إكراه ولا اعتراض أفضل ؛ لأن مقام هذا في سخاء النفس ، والتحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من الإكراه والمجاهدة ، ومن بذل ماله على ذلك ، ولأن الأول وإن غلب نفسه في هذه الكرة لا يأمن غلبتها في كرة ثانية أو ثالثة ؛ إذ ليس السخاء من مقامها ؛ لأنها كانت محمولة عليه ، وإلى هذا ذهب الجنيد قدّس اللّه سره .