محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )

51

قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق

القانون السابع قانون الزهد « 1 » قال اللّه تعالى : فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ [ النساء : 170 ] . تنوير : إذا لم تزهد في الدنيا الدنية ، فأنت بعيد عن خير الآخرة العلية . تحرير : خلو قلبك من المعصية للمولى أحق بك أيها العاقل وأولى .

--> ( 1 ) إن الزهد يختلف باختلاف المقام ، فللعوام زهد بمعنى ترك الحرام ، وللخواص زهد أيضا وهو ترك الفضول من الحلال ، ولأخصهم زهد وهو ترك ما يشغلك عن مولاك ، والكل خير وممدوح على ما ورد به الحديث حيث قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « الزهد خير كله » ، والكامل الأخير ؛ لأن حقيقة الزهد أن تترك نفسك دنياك وروحك عقباك ، ويبقى سرّك مع مولاك . وقال الشيخ الجيلي قدّس سرّه في الإنسان الكامل : « زهد المسلمين والمؤمنين والمحسنين في الدنيا ولذاتها ، وزهد الشهداء في الأولى والعقبى ، وزهد الصديقين في سائر المخلوقات ، فلا يشهدون إلا الحق تعالى مع الأسماء والصفات ، وزهد المقربين في البقاء معهما فهم في الحقيقة الذات » ، ويمكن أن يكون مراد الشيخ هذا الأخير وهو الظاهر من إطلاقه ، ويمكن أن يكون مراده زهد الصدّيقين ، لكن بتقدير معطوف بعد الجبار أي : وأسمائه وصفاته ، والمعنى ليس الزاهد الكامل الذي يعمل الزهد في الدّنيا والدرهم المستعبدين للناس والمهلكين لهم حيث ورد : « أهلك الناس الدينار والدرهم » بأن يترك الالتفات إليهما بحيث لا يخطران لا هما ولا وجودهما بباله ، بل الزاهد الكامل الذي زهد فيما سوى الجبار من الدنيا ، والآخرة وما يتعلق بهما حتى العلوم والمعارف بأن يشهد الحق وأسمائه وصفاته ، بل لا يشهد إلا الذات بدون اعتبار الأسماء والصفات وهذا هو الطي الحقيقي ، ومن هنا يقال : المسافة إلى خطوتين ، وإليه يشير قوله عليه صلى اللّه عليه وسلّم : « الدنيا خطوة مؤمن » أي : يتخطاها بالزهد فافهم . وقال بشر الحافي رضي اللّه عنه : « من دخل في طريقنا يومين فقد حاز ملك الدارين » . فيدلّ هذا على أن المسافة يومان في اليوم الأول يترك الدّنيا ، وفي الثاني يترك الآخرة ، وفي اليوم الثالث واصل ؛ لأنه يكون لربّه حقا بلا علل ، وأمّا طي الأيام بلا طعام وشراب ، وقطع الأرض في أقرب مدة بلا مشي ، وتعب فهو رسمي لا اعتداد به . وقال بعضهم : ليس الشأن أن تطوى لك الأرض فإذا أنت حيث مشيت من البلاد ، بل الشأن أن تطوى عنك أوصاف نفسك فإذا أنت عند ربك ، وقال بعضهم : من مكنه اللّه على مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء والهواء ، ويناسبه قول بعضهم : لا تتعجبوا ممن لم يكن في جيبه شيء فيخرج منه ما يريد ، ولكن تعجبوا ممن يضع في شيء فلم يتغير بفقدانه عند إدخال يده في جيبه ، وعند هذه الطائفة كل ما يشغلك عن مولاك فهو دنياك تحجب به عن الحق تعالى ، ولذا نفي الشيخ قدّس سرّه اسم الزاهد الأعلى من زهد فيما سواه تعالى ، وهو الغاية العظمى والمطلب الأقصى ؛ إذ فيه غاية الرّضا .