محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
35
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
--> - على غناك فاتخذ الفقر بساطا فاحذر أن تنزل عن هذه الدرجة إلى غيرها فتقع في مكر اللّه من حيث لا تعلم وأقل ما يكون منك إذا تنزلت عنها أن ترجع إلى نفسك مدبرا لها ومختارا وأشرقت أحوالك ولا حال لك أن تحملها على الجد والاجتهاد إما في ظاهرك أو في باطنك طمعا أن تدفع بذلك عن نفسك وما أسوأ حالك إذا كابدت أن تدفع عنها ما أراد اللّه أن يدفعه عنك فكيف إذا نازعته فيما لم يرد دفعه عنك وأقل ما في هذا الباب دعاوى الشرك ، فإنك قد غلبت وما غلبت فإن كنت غالبا فكن حيث شئت ولن تكون حيث شئت أبدا فدلّ اجتهادك على عظيم جهلك بأفعال اللّه وما أقبح عابدا جاهلا أو عالما فاسقا فما أدري بأي الموضعين أصفك بالجهل أم بالفسق أم بهما جميعا نعوذ باللّه من تعطيل النفس عن المجاهدات ومن خلو القلب عن المشاهدات إذ التعطيل ينفي الشرع والخلو ينفي التوحيد وحاكم الشرع قد جاء بهما جمعا فأدرج بهما جميعا عن منازعة ربك تكن موحدا واعمل بأركان الشرع تكن سنيا واجمع بينهما بعين التأليف تكن محققا : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] ثم إن خطر لك أيضا في مراقبتك خاطر من مكروه في الشرع أو محبوب فيه مما قد سلف منك فانظر ما تذكر به وتنبه وإن ذكرت اللّه فأدبك بتوحيده على بساط تفريده فإن لم ترد بك رؤية فضله فيما جلا لك من لطائف رحمته وزينك من طاعته بتخصيص محبته على بساط مودته ، فإن نزلت عن هذه الدرجة ولم تكن هناك ، فأدبك رؤية فضله إذ سترك فيما اقترفت من معصيته ولم يكشف سترك لأحد من خلقه فإن صرفت عن هذا الباب وذكرت معصيتك ولم تذكر ما تقدم من الآداب الثلاثة فقم بأدب الدعاء في التوبة منها أو من مثلها بطلب المغفرة لها بحسب ما يطلبه الجاني المحاط به هذا في جانب المكروه في الشرع وأما إذا ورد عليك خاطر من طاعته تقدمت وذكرت من أفادك فلا تقرر عينك بها بل بمنشئها ، فإذا قرت عينك بغير فقد سقطت عن درجة التحقيق فإن لم تكن في هذه المنزلة فكن في التي تليها وهو أن تشهد عظم فضل اللّه تعالى أن جعلك من أهلها وميزانها أن ترزق خيرا منها بل من علامتها الدالة على صحتها وإن لم تتبوأها وبوئت فيما دونها فأدبك تدقيق النظر في تلك الطاعة هل هي هي وأنت سالم من المطالبة فيها أم هي بعكس ذلك وأنت مأخوذ بها نعوذ باللّه من حسنات تعود سيئات وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] فإن نزلت عن هذه الدرجة إلى غيرها فأدبك طلب النجاة منها بحسنها وسيئها وليكن هروبك من حسناتك أكثر من هروبك من سيئاتك إن أردت أن تكون من الصالحين . وقال رضي اللّه عنه إذا أردت أن يكون لك نصيب مما لأولياء اللّه تعالى فعليك برفض الناس جملة إلى من يدلك على اللّه بإشارة صادقة أو بأعمال ثابتة لا ينقضها كتاب ولا سنة وأعرض عن الدنيا بالكلية ولا تكن مما يعرض عنها ليعطى شيئا على ذلك بل كن في ذلك عبدا للّه أمرك أن ترفض عدوه ، فإن أتيت بهاتين الخصلتين الإعراض عن الدنيا والزهد في الناس فأقم مع اللّه بالمراقبة والتزم التوبة بالرعاية والاستغفار بالإنابة والخضوع للأحكام بالإستقامة ، وتفسير هذه الأربعة أن تقوم عبدا للّه فيما تأتي وتذر فتراقب قلبك ألا يرى في المملكة شيئا لغيره ، فإن أبيت بها نادتك هواتف الحق بأنوار العز إنك قد عميت عن طريق الرشد من أين لك القيام مع اللّه -