محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
15
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
--> - إشارة ، فسبحان اللّه عما يصفون ، فالعارف بمعرفة نفسه من غير تعريف اللّه له إياه ، ويزعم أنه عارف باللّه وتوحيده ، فهو مشرك باللّه لإثباته نفسه مع اللّه وهو غير ومعدوم مع اللّه في توحيده إيّاه ؛ لأن ميدان الوحدة ماحية لما سوى اللّه ، فالعارف بعرفانه مشرك باللّه ، ولا شعور له به ، ويظن أنه موحد وليس بموحد ، فهو كمن دخل على السلطان فهو في قصر عظيم فقال : وعزتك ما في القصر غيرك ولم يدر أن وجوده يكذبه . فاجتهد غاية الاجتهاد قبل يوم الميعاد في خلاصك عن الشرك ، وتدبر من أي وجهة تقع فيه ولا تخلص أنت من الشرك ، ولا تعرف التوحيد المذكور إلا إذا لم تر نفسا ، ولا وجودا ، ولا صفة ، ولا ذاتا إلا بنفسه وجوده وصفته وذاته ، ولا ترى هذه الرؤية فليس في الدارين ولا يرى فيهما إلا هو ، والغير عينه بلا غيرية الغير ، فهو الذي قال بعض الأكابر : ذات لا ترى عين ما يرى ، فبطونها كنز لا يرى ، وظهورها عين ما يرى فلا يعرف اللّه إلا اللّه ؛ لأن ذاته منزهة عن معرفة العارف لكونها غير معلومة لسواها من جميع الوجوه قال اللّه تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « تفكروا في آلاء اللّه ، ولا تتفكروا في ذات اللّه » . وقال أيضا في جواب من سأل عن رؤية الرب : « ويحك نورا أني أراه ، وإني للعبد » أي : كيف أرى ؟ . وإن كان بكسر الهمزة فمعناه ( إني أراه ) باللّه لا بنفسي ، فهذا لا ينافي ما مرّ فهو تعالى لا يشاهد إلا في الصورة من نفس العبد أو غيره . فأعلم العلماء العارفين اعترف بأنه عرفه حق المعرفة . وقال الصديق رضي اللّه عنه : « العجز عن درك الإدراك إدراك » ، فدلّ على أن ثمّة أمر يعجز عن إدراكه ، وإن التوحيد هي الوحدة الحقيقية التي لا يزاد عليها شيء لا من حيث الظهور ، ولا من حيث البطون ؛ لأنه تعالى من حيث إطلاقه المنزه عن الإطلاق ، والتقييد ، والتشبيه والتنزيه غير الظهور والبطون ، وأفراد العالم كلها مع أنه ليس بخارج منها ، ولا داخل ، ولا متصل ، ولا منفصل ظاهرا وباطنا ؛ إذ لا يجوز أن يكون معه شيء زائد ؛ لأن ذاته غنية عن العالمين ، وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولا شيء معه » ، فالآن كما كان ؛ لأن كان وجودية لا زمانية ففيه معنى الدوام والثبوت ، فمن هذه الحيثية لا يصح أن يحكم عليها بنفي ولا إثبات . ومن هذا قال بعض العارفين : من سأل عن التوحيد فهو جاهل ، ومن أجاب عنه فهو ملحد ، ومن عرّفه فهو مشرك ، ومن لم يعرف ذلك فهو كافر يعني التوحيد لا يحصل بالطلب والسعي والحيلة ، فلا يمكن تحصيله ، وطلب المحال محال ، والجواب عنه ميل وعدّل عن حقيقة الأمر ؛ لأنه لا يدخل تحت حيطة العبادة مع أنه مجهول للنفوس البشرية ، فكل من تكلم فيه فقد تكلم بالمحال بغير دراية الحال ، فإنه ليس بالقيل والقال . قال أفضل الخليقة صلوات اللّه وسلامه عليه : « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك ( 1 ) » ، وكذا جميع الأنبياء والأولياء . وقال سيد الطائفتين الجنيد البغدادي قدّس سرّه : « واللّه ، ثم واللّه ، ثم واللّه ما عرف اللّه سوى اللّه » . -