محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )

125

قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق

( بإذني ) : هو التمكين من الشيء المأذون فيه فإن انضاف إليه قول ، فهو الأمر ، وفي باطن الحقيقة هو : نور يقع في القلب فيثلج له الصدر ينفرد به الخاصة ، وليس بحجة لعقد العصمة . وقد يطلق الإذن ويراد به إذن المشيئة العامة لجميع المكونات وهو ردّ الأشياء إلى مشيئة اللّه تعالى في الحركة والسكون بمعنى : أن لا تتحرك ذرة ولا تكن إلا بإذنه ، وهذا الإذن لا تكون أحكامه حجة إذا صدرت على غير قانون الشريعة وآداب الحقيقة فافهم ذلك ؛ تنج من المهالك . واعلم أنه بحسب السؤال يقع الجواب ، وعلى قدر المخاطب يكون الخطاب . قال تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصفات : 164 ] . يا أولي الإدراك والفهوم من قبل لفظه في الأنام فقد أذن له في الكلام . من رزق حلاوة العبارة ورشاقة الإشارة ، أنست بكلامه الأسماع ، وانطبع حبه في الطباع ، إذا تدفقت جواهر المعاني من بحر الجنان ، وقذفها على ساحل اللسان ، تناولتها كفة ميزان المنظوم والمنثور . فتوجت بها الرؤوس وتحلّت بها الصدور كلما مرّ كلام المأذون له حلا ، وكلما أعيد صقل وجلا ، وذلك لما اختص به من فصاحة اللسان ، ودقة ذهنه في الأذهان . ردّت فصاحته ودفة ذهنه * وحش اللغات أوانسا بخطابه كالنحل ترعى المرّ من نبت الربا * فيصير شهدا من طريق رضا به من وجد القلب المنير ، وتيسر له التعبير ، فقد أذن له في المقال ، عند أرباب الحال ، ومن وجد المعاني ولم يجد العبارة ؛ بذلك أمر بالكتمان عند أهل الإشارة ، ربما اكتسى معنى المليح صورة اللفظ القبيح ، فمجته آذان القوم ، ونفرت منه في غد واليوم . وقد قيل : سماع الألفاظ كمشاهدة الألحاظ ، إذا انحرف الذوق عند الاعتدال لم يذق حلاوة كلام الرجال : قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم كما يقع كثيرا إنكار الفهم السقيم للقول الصحيح المستقيم : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم يستطيب أجاج المحل ، من لم يذق مجاج النحل ، إذا رأيت في سواد الحبر خطا ،