علي بن أحمد المهائمي
92
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وشهادة لندرك الباطن بغيبنا ، والظاهر بشهادتنا ، ووصف نفسه بالرّضا والغضب ، فأوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه ، ووصف نفسه بأنّه جميل وذو جلال فأوجدنا على هيبة وأنس ] . ( ولهذا ) أي : ويكون أوليته ليست افتتاح الوجود عن عدم ( قيل : فيه الآخر ) وآخريته حينئذ ليست بمعنى انتهاء وجوده بعد انتهاء وجود الممكنات بل آخريته بمعنى : بقاء وجوده بعد ما فني ما فني إلى الأبد ، ولكن هذا المعنى ليس على الإطلاق ، فلذا لم يعتبره الشيخ رضي اللّه عنه وبمعنى : أنه يستند إليه الكل في النهاية أي : في البقاء ثم استدل على أن أوليته وآخريته ليست بمعنى افتتاح الوجود عن عدم واختتامه به بقوله : ( فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد ) أي : بمعنى أن وجوده في الماضي مقيد بزمان مخصوص سابق على زمان افتتاح وجود سائر الموجودات كانت آخريته أيضا آخرية وجود التقييد ، وهو أن وجوده في المستقبل مقيد بزمان مخصوص ينتهي عنده « 1 » ، ويأتي ذلك الزمان بعد زمان انقطاع وجود سائر الموجودات لكن كونه آخر بهذا المعنى باطل ؛ لأنه ( لم يصح أن يكون ) الحق هو ( الآخر المقيّد ) أي : للممكن الذي تقيد وجوده بزمان مخصوص ينقطع بانقطاعه ؛ لأنه إنما يتحقق عند انقطاع زمان جميع الممكنات لكنه محال ؛ ( لأنه لا آخر للمكن ؛ لأن الممكنات غير متناهية ) لاتفاق أهل التحقيق على أن الأمور الأخروية لا تتناهى . وقد دلّت الأدلة العقلية والنقلية على بقاء الأرواح الإنسانية على الأبد ، وإذا كانت الممكنات غير متناهية كان زمانيّا غير منقطع حتى يأتي بعد انقطاعه زمان ينقطع فيه زمان الحق ، وإنما استدل بهذا الدليل ؛ ليشير إلى إن الحق على تقدير كونه ممكنا لا يصح في شأنه هذا المعنى ؛ فكيف عند كونه واجب الوجود ؛ فافهم فإنه مزلة للقدم . ( وإنما كان آخرا لرجوع الأمر ) أي : أمر الوجود ( كله إليه ) أما وجوده ؛ فلأنه لذاته ، وأما وجودنا ؛ فلأنه ظله وصورته ، ولا قيام له بذاته فهو بالحقيقة منسوب إليه ( بعد نسبته إلينا ) « 2 » ، والظاهر ، واعتبر رضي اللّه عنه في الآخر معنى البقاء بعد فناء ما فني ؛ لأنه ليس على الإطلاق ، ولا هو مخصوص بالفناء الذاتي على نسب ، وإذا كان أوليته وآخريته بمعنى كونه مستند إليه لكل في الماضي والمستقبل مع أنه لا يجرى عليه الزمان ، ولا ماض في حقه ، ولا مستقبل ؛ ( فهو الأول في عين آخريته ، والآخر في عين أوليته ) فاتحد فيه الأبد بالأزل ،
--> ( 1 ) اعلم أنّ معقوليّة الأوليّة للواجب المطلق نسبة وصفيّة لا يعقل لها العقل سوى استناد الممكن إليه ، فيكون أولا بهذا الاعتبار ، ولو قدّر عدم وجود الممكن قوة وفعلا لانتفت هذه النسبة الأوليّة ؛ إذ لا تجد متعلقا . وأمّا معقوليّة الأوليّة للواجب الوجود بالغير نسبة سلبيّة عن وجود كون الوجوب المطلق ، فهو أوّل بكل مقيّد ؛ إذ يستحيل أن يكون هناك قدم لأحد فافهم . ( 2 ) في نسخة : « نسبة ذلك » .