علي بن أحمد المهائمي
89
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الحادث صورة للوجوب الذاتي الذي هو وصف الحق ، بل غايته أنه صورة للوجوب من حيث أنه وجوب في الجملة . [ ثمّ ليعلم أنّه لمّا كان الأمر على ما قلناه من ظهوره بصورته ، أحالنا تعالى في العلم به على النّظر في الحادث ، وذكر أنّه تعالى أرانا آياته فيه ، فاستدللنا بنا عليه فما وصفناه بوصف إلّا كنّا نحن ذلك الوصف إلّا الوجوب الذاتي الخاصّ ، فلمّا علمناه بنا ومنّا نسبنا إليه كلّ ما نسبناه إلينا ، وبذلك وردت الأخبار الإلهيّة على ألسنة التّراجم إلينا ، فوصف نفسه لنا بنا : فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا ، وإذا شهدنا شهد نفسه ] . ( ثم ) أي : بعد العلم بالارتباط بين الحق والخلق من الجانبين أعني : افتقار الحادث إلى المحدث ، وظهور المحدث بصورته المعنوية في الحادث ؛ ( ليعلم أنه لما كان الأمر ) أي : أمر الارتباط من جانب الحق ( على ما قلناه من ظهوره ) أي : الحق ( بصورته ) المعنوية في الحادث ( أحالنا تعالى في العلم به ) أي : بذاته وصفاته ( على النظر في الحادث ) ، فإنه يدل بذاته من حيث افتقاره إلى الواجب على ذات الواجب ، وعلى صفاته التي بها تعلقه بالعالم . ويدل أيضا بصفاته بحيث إنها مظاهر صفات الحق على صفاته كما دلّ بوجوده من حيث صورة وجوده الحق على وجوده ، وذلك أنه ( ذكر ) في كتابه الكريم ( أنه أرانا آياته ) أي : دلائل ذاته وصفاته ( فيه ) أي : في الحادث حيث قال : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصلت : 53 ] ، ( فاستند بنا ) « 1 » أي : بذواتنا وصفاتنا من حيث حدوثنا ، وكوننا على صورته ( عليه ) أي : على كل واحد من ذاته وصفاته ، ( وما وصفناه بوصف إلا كنا نحن ذلك الوصف ) أي : مظاهره ( إلا الوجوب الذاتي ) فإنا وإن وصفنا الحق به فلسنا مظاهره لكونه الوصف ( الخاص ) بالحق ، وإن علمنا اختصاصه به من افتقارنا إليه مع استحالة التسلسل اللازم على تقدير عدم كونه واجبا بالذات . ( فلما علمناه بنا ) أي : بما ظهر فينا من صفاته القابلة للظهور فينا ( ومنا ) أي : وعلمنا بعض أوصافه كوجوبه الذاتي من افتقارنا للزوم التسلسل على تقدير عدمه ( نسبنا إليه كل ما نسبناه إلينا ) إما بطريق الحقيقة ، وذلك فيما يليق به مما لا ينافي الوجوب الذاتي كالحياة ، والعلم ، والإرادة ، والقدرة والسمع ، والبصر ، والكلام أو بطريق المجاز ، إما بإرادة الغاية كالرضا والغضب ، أو بوجه آخر كالجوع والعطش والمرض ، وغير ذلك مما وردت به الأخبار النبوية ، كما قال : ( وبذلك وردت الأخبار الإلهية على ألسنة التراجم إلينا ) ، وهم الأنبياء - عليهم السلام ، مثل : « مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني ، وعطشت
--> ( 1 ) في نسخة : « فاستدللنا » .