علي بن أحمد المهائمي
699
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ فلهذا كان حبّ النّساء لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم عن تحبّب إلهيّ وأنّ اللّه تعالى : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] وهو عين حقّه ، فما أعطاه إلّا باستحقاق استحقّه بمسمّاه ؛ أي بذات ذلك المستحقّ ، وإنما قدّم النساء لأنّهنّ محلّ الانفعال ، كما تقدّمت الطبيعة على من وجد منها بالصّورة ، وليست الطّبيعة على الحقيقة إلّا النّفس الرّحمانيّ ، فإنّه فيه انفتحت صور العالم أعلاه وأسفله لسريان النّفخة في الجوهر الهيولانيّ في عالم الأجرام خاصّة ، وأمّا سريانها لوجود الأرواح النّوريّة والأعراض فذلك سريان آخر ] . ( فلهذا كان حب النساء لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم عن تحبب إلهي ) ؛ لأنه لكمال معرفته رأى الحق محبّا ومحبوبا بالذات وغيره بالتبعية ، وإنما كان حب العارف عن تحبيب إلهي دون حب غيره ؛ لأنه صح ( أن اللّه تعالى : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ) أيما كان خلقه عليه من استعداده ، وكيف لا يعطي كل شيء خلقه ( وهو عين حقه ) الثابت في علمه الأزلي ، المطلع على الاستحقاق الذي يوجب الجواد ( أعطاه ) بحسب السنة الإلهية ، فهو وإن أعطاه تفضلا باعتبار غنى ذاته عن الكل ، فما أعطاه باعتبار العلم والجود ( لا باستحقاق ) ، وكيف لا يعطي ذلك الاستحقاق وقدست ( مسماه ) ، أي : باعتبار كونه محل تصرف اسم من أسماء الحق التي لا تغايره من كل وجه ، فكأنه أعطى ذاته ذلك ، ولكن الذات غنية عن العالمين ، فلا يظهر تصرف الأسماء إلا في ذوات الأشياء ؛ فلذلك قال ، ( أي : بذات ذلك المستحق ) الذي استحقه باعتبار كونه محل تصرف الأسماء الإلهية لا باعتبار كونه عينا ثابتة ، فإن ذلك إنما هو في العلم الأزلي وهي لا تقبل التصرف بذلك الاعتبار ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . ( وإنما قدم النساء ) مع اعتبار التأخر بالرتبة في حبهن في بعض الوجوه ؛ لأنهن في هذا الاعتبار يشبهن الطبيعة ؛ ( لأنهن محل الانفعال ) لطلب من هو على صورته وهو الولد ، فقدمهن ( كما تقدمت الطبيعة ) بالصورة النفسية ( على من وجد ) تشبيها من صور العالم ؛ وذلك لأنه ( ليست الطبيعة على الحقيقة ) ، وإن كان المتعارف أنها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ( إلا ) صورة ( النفس الرحماني ) ؛ لذلك صارت مبتدأ الفعل والانفعال ، وهو أعم من المتعارف ؛ لشموله جميع الموجودات تأثيرا أو تأثرا ، ( فإنه ) أي : النفس الرحماني عند تصوره بصورة الطبيعة بسريان نفخته ( فتحت فيه صور العالم ) كصور الحروف في النفس الإنساني ( أعلاه ) الروحاني ، ( وأسفله ) الأجسام وأعراضها وقواها ، لكن انفتاح صور العالم فيه ( بسريان النفخة في الجوهر الهيولاني ) القابل لصور الأجرام كما تقوله الفلاسفة ، لكن لا تقول نقدمه خلافا لهم ( في ) صور ( عالم الأجرام خاصة ، وإنما سريانها ) أي : النفخة ( لوجود الأرواح النورية ) احترز به عن القوة النباتية والحيوانية