علي بن أحمد المهائمي

689

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

تردد الحق في الموت الطبيعي لهذه النسبة ، ( فاشتياق الحق ) فيما نحن فيه ( لوجود هذه النسبة ) ، أي : هذه الصفة التي هي نسبة حادثة ، وإلا فلا حدوث في صفته تعالى ، ولو كانت هذه النسبة للحق باعتبار ذاته كان الاشتياق إليها أشد من اشتياق العبد إلى لقاء ربه ؛ لأن نفس الشيء أحب إليه من كل ما عداه ، فكأنه تعالى يقول بلسان الحال : ( يحن ) ، أي : اشتياق ( الحبيب إلى رؤيتي ، وأنا إليه أشد حنينا ) ، ولكن لا يحصل المشتاق إليه إلا بالموت وهو مما ( تهفو ) ، أي : تضطرب له ( النفوس ) ، ولكن ( يأبى القضاء ) الإلهي حصول المشتاق إليه بدونه ، ( فأشكو الأنين ) من كراهة إساءته ، ( ويشكو الأنينا ) من الموت ، وإذا كان شدة اشتياق الحق إلى لقائهم لما فيه من رؤيته ذاته برؤيتهم بعد رؤيتها بنفسه لشدة زيادة ، والزيادة تنبغي أن تكون من جنس المزيد عليه ، فأصل شوقه أيضا إلى رؤية ذاته بصور المظاهر . ( فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه ) المضاف إليه لاتصافه بصفاته من التجرد والحياة والعلم ، والإرادة والقدرة ، والسمع والبصر والكلام والتعلق ، وقد جعلنا فيه بالقوة ، ولا يخرج إلى الفعل إلا بهذا المظهر الجسماني ، ( فما اشتاق ) في أصل الاشتياق ( إلا إلى نفسه ) ؛ ليراها في المظهر الكامل الإنساني . [ ألا تراه خلقه على صورته لأنّه من روحه ؟ ولمّا كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسمّاة في جسده أخلاطا ، حدث عن نفخه اشتعال بما في جسده من الرّطوبة ، فكان روح الإنسان نارا لأجل نشأته ، ولهذا ما كلّم اللّه موسى إلّا في صورة النّار وجعل حاجته فيها ، فلو كانت نشأته طبيعيّة لكان روحه نورا ، وكنّى عنه بالنّفخ يشير إلى أنّه من نفس الرّحمن ، فإنّه بهذا النّفس الّذي هو النّفخة ظهر عينه ، وباستعداد المنفوخ فيه كان الاشتعال نارا لا نورا ، فبطن نفس الحقّ فيما كان به الإنسان إنسانا ، ثمّ اشتقّ له شخصا على صورته سمّاه امرأة ، فظهرت بصورته فحنّ إليها حنين الشّيء إلى نفسه وحنّت إليه حنين الشّيء إلى وطنه ، فحبّب إليه النّساء ، فإنّ اللّه أحبّ من خلقه على صورته وأسجد له ملائكته النّوريّين على عظم قدرهم ومنزلتهم وعلوّ نشأتهم الطّبيعيّة ] . ( ألا تراه خلقه على صورته ) التي ذكرناها ، وإنما كان على صورته ؛ ( لأنه ) أي : الروح الإنساني إنما حصل ( من روحه ) ، أي : الروح الإلهي ، أي : معنى الإلهية من الذات والصفات المذكورة ، فيدبر هذا الروح الإنساني بدنه ، كما يدبر الروح الإلهي الأرواح والأجسام ، فهو روح الأرواح والأجسام جميعا ، إلا أنه لا يشتغل فيما يدبره ، وهذا الروح الإنساني له اشتغال في البدن ؛ وذلك لأنه ( لما كانت نشأته ) ، أي : الإنسان باعتبار بدنه ( من هذه الأركان الأربعة ) التراب ، والماء ، والهواء ، والنار ( المسماة في جسده أخلاطا ) ،