علي بن أحمد المهائمي
686
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يعرف النفس لم يعرف الرب ، لا الاستدلال بوجود الملزوم على وجود اللازم ، وبعدم اللازم على عدم الملزوم ، فإن ذلك يختص بأهل النظر ، ( فالأول ) وهو : منع معرفتهما ( أن تعرف أن نفسك لا تعرفها ، فلا تعرف ربك ) وإن كان لا دلالة لعدم الملزوم على عدم اللازم ، ( والثاني : أن تعرفها فتعرف ربك ) ، وإن لم يلزم من وجود السبب وجود المسبب ، إلا أن التعليق يفيد ذلك في عرف أهل العربية ، فالرب لا يعرف باعتبار استقراره في مقر عزه ، ويعرف باعتبار ظهوره في النفس ، والنفس لا تعرف بحسب حقيقتها ، وإنما يعرف بعض صفاتها ، وهذه المعرفة بالحق عن ظهوره في المظاهر تتفاوت بحسب تفاوت المظاهر كمالا ونقصا ، ونفس الإنسانية أكمل من سائر ما في العالم ، ونفوس الأنبياء عليهم السلام أكمل من نفوس العامة ، ونفس نبينا عليه السّلام أكمل من نفوس الأنبياء عليهم السّلام ، ( فكان صلّى اللّه عليه وسلّم أوضح دليل على ربه ) يدل على رب الأرباب ، ونفوس سائر الأنبياء على أربابهم الكلية التي هي كالجزئيات لرب الأرباب ، وأجزاء العالم تدل على أرباب الجزئية لأربابهم ، ( فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه ) من الأسماء الإلهية الجزئية التي تستند وجود تلك الأجزاء إليها ، وقد نمت تلك الدلالة عن حبه النساء من حيث إنهن أجزاؤه ، وكذا نفوس الأنبياء وسائر ما في العالم ، فاجتمعت فيه دلالات الكل ، فدل بالأصالة على رب الأرباب ، وبحبه للنساء وأجزاء العالم على الأرباب الجزئية ؛ ( فافهم ) . [ وإنّما حبّب إليه النّساء فحنّ إليهنّ لأنّه من باب حنين الكلّ إلى جزئه ، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحقّ في قوله في هذه النّشأة الإنسانيّة العنصريّة وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، ثمّ وصف نفسه بشدّة الشّوق إلى لقائه فقال للمشتاقين : « يا داود إنّي أشدّ شوقا إليهم » « 1 » يعني : للمشتاقين إليه وهو لقاء خاصّ ، فإنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في حديث الدّجّال إنّ أحدكم لن يرى ربّه حتّى يموت « 2 » ؛ فلا بدّ من الشّوق لمن هذه صفته ، فشوق الحقّ لهؤلاء المقرّبين مع كونه يراهم فيحبّ أن يروه ويأبى المقام ذلك ، فأشبه قوله : حَتَّى نَعْلَمَ [ محمد : 31 ] مع كونه عالما فهو سبحانه وتعالى يشتاق لهذه الصّفة الخاصّة الّتي لا وجود لها إلّا عند الموت ، فيبلّ بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث التّردّد وهو من هذا الباب : « ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في قبض عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بدّ له من لقائي » « 3 » فبشّره بلقائه ، وما قال له ولا بدّ له من الموت لئلا يغمّه بذكر الموت ، ولمّا
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) رواه الترمذي ( 1 / 150 ) بنحوه . ( 3 ) رواه البخاري ( 2 / 58 ) .