علي بن أحمد المهائمي

670

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

القرآن ) أورد أنه ينجي روحه وبدنه ، وورد أنه آمن قبيل الموت ، ومن حقت عليه كلمة العذاب لا يؤمن حينئذ ورده كونه آية في نجاة روحه وبدنه ، والتأويلات التي ذكرها الجمهور خلاف الظاهر . ( ثم إنا نقول بعد ذلك ) أي : بعد التعرض لما يدل عليه ظاهر القرآن ( والأمر فيه إلى اللّه ) ؛ لعدم الدليل القاطع على قبول إيمانه ، ولا على عدم قبوله ( لما استقر في نفوس العامة من شقائه ) من كفره وعلوه أيام جنونه ، وقد أخذ على ذلك وكره اللّه تعالى ذكره تقرر عندهم أن إيمانه غير مقبول في حق الآخرة أيضا ، كما لا يقبل في حق الدنيا مع أن المؤاخذة الدنيوية لا تستلزم المؤاخذة الأخروية لو تخلل الإيمان بينهما قبل كشف الحجب عن أحوال الآخرة ، كما في صورة استرقاق الكافر إذا آمن بعد ذلك ، ولو قبيل الموت قبل انكشاف أحوال الآخرة ( وما لهم نص في ذلك يستندون إليه ) ؛ لأن النصوص الواردة في شأنه إما أن تدل على كفره وطغيانه قبل هذا الإيمان ، فهي لا تدل على عدم قبول إيمانه الثابت بالنص أيضا ، ولا شكّ أنه لو آمن قبل دخول البحر بعد انغلاقه لقبل إيمانه اتفاقا ، وليس الغرق فيه أجل دلالة منه . وإما أن تدل على مؤاخذته على الكفر السابق في الدنيا ، ولا دلالة لها على المؤاخذة الأخروية على ذلك الكفر إذا تخلل بينهما الإيمان قبل كشف الحجب عن أحوال الآخرة ، فاسترقاق الكافر مؤاخذة دنيوية ، والإسلام بعدها لا يدفع تلك المؤاخذة فلا يعتق بمجرد الإيمان ، لكن لا يؤاخذ بذلك الكفر في الآخرة حينئذ . وإما أن تدل على مؤاخذته في الآخرة على حقوق الخلق من إضلال قوم غير محصورين ، واستعباد بني إسرائيل وهم أولاد الأنبياء ظلما وقتلا لأولادهم ، وهذه الحقوق مما لا يعفى منها بالإيمان أو على عذابه في الآخرة مطلقا من غير أن يشير إلى كونه على كفره ، ولا إلى خلوده ، ولا إلى عدم قبول إيمانه ، فالشيخ إنما أورد هذا ؛ للإشارة إلى أن النصوص ساكتة عن ذلك لا كما يتوهم العامة من دلالتها على عدم قبول إيمانه . وقد ذكرنا ما يجب اعتقاده في هذه المسألة فيما تقدم ، ولتذكر أدلة الجمهور مع ما أجيب به عنها ، وهي وجوه : الأول : أنه تعالى ما يقص في كتابه العزيز قصة كافر باسمه الخاص أعظم من قصته ، ولا ذكر من أحد من الكفر والطغيان مثل ما ذكرهما منه ، ولا كرر مثل ما كرره . أجيب : بأن الكناية أبلغ من التصريح ، قلنا : صرح باسم قبلة إبراهيم ، وكني عن حب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] ، فكذا صرح باسم فرعون ، وأخفي اسم قابيل مع أنه أشد عذابا منه ، ولعل عاقر ناقة صالح لا يكون أقل عذابا