علي بن أحمد المهائمي

658

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

حكي كونه ( يظهر له المانع من تعديه عليه ) ، وذلك من كمال ظهور الحق فيه باسمه الحفيظ والمبين يمنعانه من الستر والحبس ، بحيث إذا قصده فرعون بأحدهما ، أي : مقتضى ذاته من العجز ؛ فقال : ( أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [ الشعراء : 30 ] ) لما فيه من الصورة الكاملة الإلهية المانعة من تأثير الغير فيها ، فلا قدرة لفرعون في ستره ولا حبسه ، فلما علم فرعون أن لا قدرة له مع وجود المانع ، وأن السكون موجب لانقطاع حجته مع الخصم ، ( فلم يسع فرعون ) السكوت ، ولا إظهار القدرة ؛ لظهور عجزه بالكلية حينئذ ، فلم يسع له ( إلا أن يقول له : فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الأعراف : 16 ] ) ، فأخذ يظهر الإنصاف معه ( حتى لا يظهر فرعون عند ضعفاء الرأي من قومه بعدم الإنصاف ) ، وإن كان غير منصف في دعوى الربوبية لنفسه ، وإنكار ربوبية اللّه تعالى ونبوة موسى ومعجزاته ، إذ لو ظهر لهم عدم إنصافه ، ( فكانوا يرتابون فيه ) بأن الإله لا بدّ وأن يكون منصفا عدلا ، فإذا لم ينصف فليس بإله مع أنهم لم يرتابوا عند عدم إنصافه فيما ذكرنا ، ومن هنا تبين أنها ( هي الطائفة التي استخفّها فرعون فأطاعوه ) . ثم بيّن الاستحقاق بقوله : ( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [ النمل : 12 ] ) ، ولما لم يناسب المقصود الخروج عن طاعة اللّه بينه بقوله : ( أي : خارجين عما تعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون ) ، سيما إذا كان ( باللسان الظاهر ) بلا تأويل ، فإنه منكر ( في العقل ) ، أما إذا كان بلا تأويل فظاهر ، وأما إذا كان بالتأويل ؛ فلأن العقل لا يقول بظهوره في المظاهر ، ( فإن له حدّا ) من التنزيه ( يقف عنده ) لا يتجاوزه إلى التشبيه بالظهور في المظاهر ، ( إذا جاوزه صاحب الكشف ) « 1 » الذي يراه في المظاهر ، ولا يمنعه العقل من ذلك وإن لم يدركه بنفسه ؛ ولكن لا يقول بالتأويل صاحب ( اليقين ) ، إذ لا ظهور للإلهية عنده ، وإنما يقول بالتأويل صاحب الغنى أو الغلبة ، فإنه يرى صورة وجود الحق صورة إلهية من الغلبة ، فيقول من الغلبة : « أنا الحق » ، لكن فرعون وقومه ليس من هذا القبيل . [ ولهذا جاء موسى في الجواب بما يقبله الموقن والعاقل خاصّة ، فَأَلْقى عَصاهُ وهي صورة ما عصا به فرعون موسى في إبائه عن إجابة دعوته فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ [ الشعراء : 32 ] أي : حيّة ظاهرة ، فانقلبت المعصية الّتي هي السّيّئة طاعة أي : حسنة كما قال : يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] يعني في الحكم ،

--> ( 1 ) تنزيه الكشف : هو المشاهد لحضرة إطلاق الذات المثبت للجمعية للحق ؛ فإن من شاهد إطلاق الذات صار التنزيه في نظره ، إنما هو إثبات جمعيته تعالى لكل شيء ، وإنه لا يصح التنزيه حقيقة لمن لم يشاهده تعالى كذلك . ( لطائف الإعلام ص 200 ) .