علي بن أحمد المهائمي

648

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الإعلام من الخضر دواء لما جرّحه به في قوله : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف : 68 ] مع علمه بعلوّ رتبته بالرّسالة ، وليست تلك الرّتبة للخضر ، وظهر ذلك ) الإنصاف الذي ظهر من الخضر من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ( في ) شأن ( الأمّة المحمّديّة في حديث إبار النّخل ؛ فقال عليه السّلام لأصحابه : « أنتم أعلم بمصالح دنياكم » « 1 » ) مع كونهم دون كثير من الناس في الأمور الدنيوية ؛ لكثرة أشغالهم بالأمور الأخروية ؛ فأنصف لهم بتفضيلهم على نفسه . [ ولا شكّ أنّ العلم بالشّيء خير من الجهل به ، ولهذا مدح اللّه نفسه بأنّه بكلّ شيء عليم ، فقد اعترف صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّهم أعلم بمصالح دنياهم منه لكونه لا خبرة له بذلك فإنّه علم ذوق وتجربة ، ولم يتفرّغ عليه السّلام لعلم ذلك ، بل كان شغله بالأهمّ فالأهمّ ، فقد نبّهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه ، وقوله : فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً يريد الخلافة ؛ وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 21 ] ، يريد الرّسالة ، فما كلّ رسول خليفة ؛ فالخليفة صاحب السّيف والعزل والولاية ، والرّسول ليس كذلك ، إنّما عليه بلاغ ما أرسل به ؛ فإن قاتل عليه وحماه بالسّيف فذلك الخليفة الرّسول ، فكما أنّه ما كلّ نبيّ رسولا ، كذلك ما كلّ رسول خليفة أي : ما أعطي الملك ولا التّحكّم فيه ] « 2 » . وذلك لأنه ( لا شكّ أن العلم بالشيء ) ، وإن كان أدنى ( خير من الجهل به ) ، وإن لم يضره ذلك في الكمالات الإنسانية التي خلق لها ؛ ( ولهذا مدح اللّه نفسه بأنه بكل شيء عليم ) ، وإذا كان العلم بالشيء كمالا للعالم وعدمه نقصا ، ( فقد اعترف صلّى اللّه عليه وسلّم ) لأصحابه بالكمال على نفسه ، وإن كان لا يعابه في الكمالات النبوية ، ( فإنهم أعلم بمصالح دنياهم ) مع أنه ليس بجاهل بذلك ؛ لأنه الأصل في جميع العلوم ، لكنهم فضلوا عليه بالخبرة ؛ ( لكونه لا خبرة له بذلك ) ، فكأنه لا علم له أصلا ، ( فإنه علم ذوق وتجربة ، ولم يتفرغ عليه السّلام لعلم ذلك ) ، وإن كان في قوة استعداده ، ( بل كان شغله في الأهم والأهم ) ؛ لأنه لا نهاية لما في استعداده ، وإذا أخبرتك عن رعاية الخضر رتبة رسالة موسى ، ورعاية موسى رتبة ولاية الخضر ومشيخته ، وعن إنصاف الخضر لموسى ، وإنصاف محمد لأصحابه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( فقد نبهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه ) ، فلم تتكبر نفسك على رعاية الأدب مع من صغر عنك في رتبة إذا كبرت في أخرى .

--> ( 1 ) رواه ابن حبان ( 6 / 389 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 4 / 280 ) ، والبزار في « المسند » ( 3 / 153 ) . ( 2 ) لما أظهر موسى عليه السّلام مع فرعون ما كان عليه من أمر الرسالة والخلافة واقتضى الوقت أن يظهر فرعون أيضا ما كان عليه من الكمال كما أشار إليه رضي اللّه عنه . ( شرح الجامي ص 491 ) .