علي بن أحمد المهائمي
646
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الخضر الذي لا يصدر عنه المنكرات في الباطن ؛ لأنه ( الذي شهد اللّه له عند موسى ) بقوله : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، وإذا شهد بذلك ، فقد ( زكاه ) ؛ لأن الفاسق لا يستحق الرحمة العندية اللدنية بل إنما يستحقها صاحب العصمة ، فإن لم يكن معصوما فلا أقل من العدالة ، وإذا ( عدله ) لم يكن من شأنه أن يقول في المنكرات : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ الكهف : 67 ] ، فعلم أن إنكار موسى لم يكن عن علم بحال ما أنكره في الباطن ، ( ومع هذا ) أي : مع كون إنكاره لا عن علم ، ( غفل موسى عن تزكية اللّه ) المانعة عن الإنكار ، ( وعما شرطه ) الخضر ( عليه في اتباعه ) من قوله : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [ الكهف : 70 ] ؛ ولهذه الغفلة قال موسى عليه السّلام : لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [ الكهف : 73 ] ، وقوله رحمة عليه ؛ لقوله : غفل بنا ( إذا نسينا أمر اللّه ) . ثم أشار إلى أنه لم يكن له علم قبل الغفلة أيضا ، بقوله : ( ولو كان موسى عالما بذلك ) ، أي : بحال ما سينكره ( لما قال له الخضر : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف : 68 ] ) ، وإن كان موسى وليّا ؛ لأنه رسول ، وكل رسول نبي وولي ، فهو وإن علم ذلك بالولاية ، فلم يحصل له في ذلك ذوق كما حصل للخضر ؛ لكمال ولايته وغلبتها على نبوته حتى قيل : إنه ولي غير نبي كما غلبت النبوة والرسالة في موسى عليه السّلام على ولايته ؛ فلذلك فسره بقوله : ( أي : إني على علم لم يحصل لك عن ذوق ) ، وإن علمته بطريق الوحي والإلهام ، ( كما أنك على علم ) من جهة كمال النبوة والرسالة ( لا أعلمه ) ؛ لقصوري في ذلك عن رتبتك ، ( فأنصف ) الخضر بجعله كاملا في الرسالة النبوة اللتان هما أعلى من الولاية في حق من تجردت ولايته . [ وأمّا حكمة فراقه فلأنّ الرّسول يقول اللّه فيه : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ؛ فوقف العلماء باللّه الّذين يعرفون قدر الرّسالة والرّسول عند هذا القول ، وقد علم الخضر أنّ موسى رسول اللّه فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفّي الأدب حقّه مع الرّسول ؛ فقال له : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [ الكهف : 76 ] ؛ فنهاه عن صحبته ، فلما وقعت منه الثّالثة قال : قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] ، ولم يقل له موسى : لا تفعل ، ولا طلب صحبته لعلمه بقدر الرّتبة الّتي هو فيها الّتي أنطقته بالنّهي عن أن يصحبه ؛ فسكت موسى ووقع الفراق ، فانظر إلى كمال هذين الرّجلين في العلم وتوفية الأدب الإلهيّ حقّه .