علي بن أحمد المهائمي

63

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

يقع الهرج فيما بين الناس بمعارضة الشهوة ، والغضب ، والمصالح الأخروية ، لا يستقل العقل بدركها كعدم استقلال نور البصر بالإبصار بدون نور الشمس . ( بالقيل الأقوم ) وهو القرآن الذي دلّ إعجازه ، وهي أنه للعلم الأزلي أوفق ، والأخبار النبوية التي دلّ القرآن المجيد على أن صاحبها ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 ، 4 ] يمد الهمم بذلك من حيث إن تدبره يكشف عن أكثر العلوم ، على أن الأمور الكشفية إنما يتحقق صدقها وبراءتها عن الأوهام والخيالات باستعانته ، والاستشهاد منه ، وتأخيره عن قوله من خزائن الجود والكرم يدل على أنه إنما نزل من خزائن الجود والكرم ، وعلى أن الخزائن الإلهية إنما تعرف عنه ؛ لأنها توقيفية ، فلا تعرف إلا بواسطته ، أو بواسطة الإجماع الذي دلّ على صدقه . ( وآله وسلم ) توسل بآله صلّى اللّه عليه وسلّم ، لبعد ما بيننا وبينه من المناسبة ، فلا بدّ في تحصيلها من واسطة ، والمعلوم بذلك إذ لا أكمل منهم بعده ثمراته طلب السلامة له ، ولهم في تحصيل تلك الكمالات وإفاضتها على المستحقين ليسلم عن القصور ؛ فافهم ، واللّه الموفق والملهم . ( أما بعد ؛ فإني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مبشّرة ) هي الرؤيا الصالحة ؛ لأنها تبشر بالغيب عن الحق بريئا عن شوائب الوهم والخيال الباطل ؛ ولذا جعلت جزءا من النبوة في قوله عليه السّلام : « لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات يا رسول اللّه ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له » « 1 » . أشار بذلك إلى أن هذا الكشف يشبه كشف النبوة ؛ فلا يسوغ إنكاره ، كيف وقد قال عليه السّلام : « إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة باللّه » « 2 » . ( أريتها ) ، أي : أرانيها اللّه تعالى ، ولم يكن ذلك من نفسي ، ( في العشر الأخير من محرم ) ، أي : حين كان لي هجرة إلى مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ، بعد حصول الكمال لي في ذلك ، كما أشار إليه بالعشر الأخير ، فإن العشرة عدد كامل ، وكونها الأخيرة إشارة إلى انتهائه في ذلك ، ( سنة سبع وعشرون وستمائة ) بيّن التاريخ ليعلم أنه من أواخر كشوفه الحاصلة له حالة الكمال ، ( بمحروسة دمشق ) ، أشار بذلك إلى أنه إنما استفاد ذلك بواسطة من دفن فيه من الأنبياء - عليهم السّلام - وإلى أنه حين أظهره كان بين أظهر أعلام الإسلام المشددين على الملوك وغيرهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومع ذلك لم يقدروا

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2564 ) ، ومالك في « الموطأ » ( 2 / 957 ) . ( 2 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 4 / 326 ) ، والمنذري في « الترغيب والترهيب » ( 1 / 58 ) .