علي بن أحمد المهائمي

620

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

القوى الكائنة في هذا النّاسوت الّذي عبّر عنه بالتّابوت في باب الإشارات والحكم ] . ولما فرغ عن بحث استمداد روحه من أرواح الأطفال ، فإنها قوى روحه شرع في بحث استمداده من قوى بدنه ، فقال : ( وأما حكمة إلقائه في التابوت ورميه في اليم ) ، فهي تنبيهية بطريق الإشارة إلى أن تعلق روحه ببدنه لتجري في بحار المحسوسات بالقوى التي فيه ، فيرجع بالكمالات العلمية والعملية المستفادة منها إلى ربه ، فيفوز بأعلى وجوه السعادات والقرب من ربه ؛ وذلك ليصرف عنان همته في تحصيل ذلك ، ( فالتابوت ) بطريق الإشارة ( ناسوته ) أي : بدنه الشامل على القوى ، ( واليم ) بتلك الطريق ( ما حصل له من العلم ) ، إذ هو بحر لا ساحل له ، ورميه في اليم إشارة إلى أن حصول هذا العلم بواسطته ( بوساطة هذا الجسم ) الشامل على هذه القوى ؛ لأنه عند التجرد الأول لم يكن عالما به ، وإنما كان بالمعقولات المحضة في هذا العلم ( مما أعطته القوة النظرية ) ، وهذه القوة النظرية إنما أعطته القوة ( الفكرية ) ، إذا ترتبت المقدمات النظرية ، إنما تكون بالتركيب والتحليل بين صور المحسوسات والمعاني المدركة منها ، وهذه القوة جسمانية ثابتة في وسط الدماغ ، ومما أعطته ( القوى الحسية ) أي : المشاعر الظاهرة ، فإنها علوم عند الأشعري ، ( والخيالية ) أي : الحواس الباطنة غير المنكرة وهي الحس المشترك ، والخيال والحافظة والمتوهمة ( التي لا يكون شيء منها ولا من أمثالها ) من القوى المحركة ( لهذه النفس الإنسانية ) ، وهي القلب ( إلا بوجود هذا الجسم ) ؛ لأنها جسمانية فلا تحل في المجردات ، ولا تحصل له من حيث هو مجرد عنصري ؛ ذكره ليشير إلى أن هذه النفس لو تعلقت بالأجرام السماوية لم يكن لها هذه القوى الحسية والخيالية والمفكرة ، إذ ليس لهذه الأجرام جر نفع ولا دفع ضر ، وإنما هو في الجسم ( العنصري ) الذي يتوارد عليه الكون والفساد . ( فلما حصلت النفس في هذا الجسم ) العنصري المحتاج إلى جر نفع ودفع ضر لتوارد الكون والفساد عليه ، ( وأمرت بالتصرف فيه ) لإخراج ما فيه بالقوة إلى الفعل ، ( وتدبيره ) بجذب المنافع ودفع المضار ، والنفس لا تستقل بذلك في الأمور الخارجية ، ( جعل اللّه لها هذه القوى ) الحالة في هذا البدن الذي تعلقت به النفس ، فحصل بينهما اجتماع ( آلات يتوصل بها إلى ما أراده منها ) من الأفعال الصناعية ( في تدبير هذا التابوت ) البدن ( الذي فيه سكينة ) ، أي : سكون أسرار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، ( فرمي به ) أي : بهذا التابوت البدني ( في اليم ) أي : يم العلوم باستعمال هذه القوى في تحصيلها ؛ ( ليحصل بالقوى ) فيقف ( على فنون العلم ) من النظريات ، والبديهيات ، والمحسوسات بعد ما كانت لها المعقولات المحضة لو بقيت على تجردها ، وإذا كان ألقي موسى في التابوت ، ورميه في اليم إشارة إلى ما ذكرنا . ( فأعلمه بذلك ) الإلقاء والرمي في اليم ( أنه وإن كان الروح المدبر له ) ، أي : للبدن