علي بن أحمد المهائمي
600
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
نبوة موسى رباه تربية المعرفة ؛ فافهم فإنه مزلة للقدم . [ ولذلك لمّا قال له هارون ما قال ، رجع إلى السّامريّ فقال له : قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ [ طه : 95 ] ؟ يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص ، وصنعك هذا الشّبح من حليّ القوم حتّى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم ، فإنّ عيسى يقول لبني إسرائيل : « يا بني إسرائيل قلب كلّ إنسان حيث ماله ، فاجعلوا أموالكم في السّماء تكن قلوبكم في السّماء » ، وما سمّي المال مالا إلّا لكونه بالذّات تميل القلوب إليه بالعبادة ؛ فهو المقصود الأعظم المعظّم في القلوب لما فيها من الافتقار إليه ، وليس للصّور بقاء ، فلابدّ من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه . فغلبت عليه الغيرة فحرّقه ثمّ نسف رماد تلك الصّورة في اليمّ نسفا ، وقال له : وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ [ طه : 97 ] ، وسمّاه إلها بطريق التّنبيه للتّعليم ، لما علم أنّه بعض المجالي الإلهيّة ، ( لأحرقنه ) فإنّ حيوانيّة الإنسان لها التّصرّف في حيوانيّة الحيوان لكون اللّه سخّرها للإنسان ، ولا سيّما وأصله ليس من حيوان ، فكان أعظم في التّسخير ؛ لأنّ غير الحيوان ما له إرادة بل هو بحكم من يتصرّف فيه من غير إباءة ] . ( ولذلك ) أي : ولكون موسى عليه السّلام مربيا بالعلم تبين أن ظهور الإله في شيء لا يجعله إلها ، فاعتقاد إلهية تفرقه ( لما قال له هارون ) ما دلّ عن رؤية الفرقان في اعتقاد عبدة العجل وصانعه وهو السامري ، وإن زعم أنه لا يفرقه في ذلك ؛ لكون العجل محل الأمر ( رجع إلى السامري ) يعاتبه في تخصيص هذا المظهر القاصر سيما من جهة جماديته باستحقاق العبادة في المظاهر التي أصلها أن يكون أكمل منه ، ( فقال له : فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ، يعني : فيما صنعت من عدولك ) عن عبادة الحق باعتبار ذاته وأسمائه التي لا تغايره ( إلى صورة العجل على الاختصاص ) ، مع أن الكل مظاهر الحق ، فلا يستحق البعض من البعض العبادة ، بل حق المظهر أن يكون عابدا لا معبودا وفي ( صنعك هذا الشبح ) ، مع أن ظهور الإله في مصنوعات الخلق أقصر منه في مصنوعاته ، لكن خيل لهم كمال ظهوره فيه ، إذ جعله ( من حلي القوم حتى أخذت بقلوبهم ) فتوهمت فيه الكمال لحبها إياه ، إذ عين المودة عن كل غيب كليلة ، مع أنه ليس لكمال ظهور الحق فيه ، بل ( من أجل أموالهم ) الموجبة سيل قلوبهم إليها ، بدليل قول عيسى عليه السّلام ؛ ( فإنّ عيسى يقول لبني إسرائيل : « يا بني إسرائيل قلب كلّ إنسان حيث ماله ، فاجعلوا أموالكم في السّماء ) بأن تجعلوها للّه ، وتعطوها للفقراء ، ( تكن قلوبكم في السماء ) عند ربكم ، وأيضا علم ذلك من اشتقاقه ، فإنه ( ما سمي المال مالا ؛ إلا لكونه بالذات ) وإن لم يتوسل به بعض البخلاء إلى الشهوات ، ولا