علي بن أحمد المهائمي
578
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( فإن كان ) العاقل الذي كان مكاشفا ( عبد رب ) علم أنه من عباد اللّه المخلصين الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، وعرف بالقرائن أن الكشف لم يكن من تخليط الشيطان ، ( رد العقل إليه ) فألزمه قبول ما لا يستحيل عنده ، وإن لم يكن له عليه برهان لقصوره ، ( وإن كان عبد نظر ) ، فزعم أن كل ما لا يستقل العقل بإدراكه ، وعجز عن إقامة البرهان عليه فهو باطل في نفس الأمر ، وإن لم يكن على استحالته للعقل برهان ( رد ) الحق المتجلي ( إلى حكمة ) ، وزعم أن كلما عجز العقل عن إقامة البرهان على ثبوته ، فهو من تخليط الشيطان ، ولكنه من قصور التجلي إذ ( هذا ) الرد منه ( لا يكون إلا ما دام ) الرد ( في هذه النشأة الدنيوية ) ، حيث نفى بعد التجلي ؛ لقصوره ( محجوبا عن النشأة الأخروية ) ؛ وذلك لكونه بعد الكشف مستغرقا ( في الدنيا ) التي هي أجل الحجب ، وليس ذلك شأن من كمل في حقه التجلي وهو العارف ، وإن كان مردودا إلى الخلق بعد الفناء . ( فإن العارفين يظهرون هاهنا ) أي : في مقام الرد إلى الخلق لتكميلهم وإرشادهم ، ( كأنهم في الصورة الدنيوية ) بمجرد المثال ( لما يجري عليهم من أحكامها ) العادية والشرعية ، ( واللّه تعالى قد حولهم في بواطنهم ) عن الدنيا ، فجعلهم ( في النشأة الأخروية ) بكشف جميع الحجب عنهم ، وإنما فعل بهم ذلك ؛ لأنه ( لا بدّ من ذلك ) الظهور لانتظام أمور الدنيا بحيث تصير مزرعة للآخرة ، ( فهم بالصورة ) الدنياوية ( مجهولون ) بحيث لا يرون من العوام ( إلا لمن كشف اللّه عن بصيرته ، فأدرك ) بواطنهم ، وإن لم يصل إلى رتبتهم ، لكن كوشفوا بهذا القدر منهم ؛ ليسترشدوا بهم ، فلا يعرف ذلك بظهور الكرامات ، فإنها لا تتميز عن الاستدراجات بدون هذا الكشف للبصيرة ، لكنه لا يعد صاحبها عارفا لبقائه في الدنيا من وجه ، ( فما من عارف باللّه ) القاطع للالتفات إلى غيره إذا عرف حق معرفته ، وهي الحاصلة ( من حيث التجلي الإلهي ) لا من حيث النظر الفكري الذي لأهل الكلام والفلسفة ( إلا وهو على النشأة الآخرة ) . ولذلك يقولون : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، كأنه ( قد حشر ) إلى مولاه ، وإن كان ( في دنياه ، ونشر عن قبره ) الحاجب له نوع حجاب عن الآخرة ، وإن كان البرزخ أشبه بالآخرة من الدنيا ، ( فهو يرى ما لا يرون ) من الأمور النظرية التي لا يأمن النظر فيها عن الغلط ، ( ويشهد ما لا يشهدون ) مما لا يستقل النظر بإدراكه أصلا ، وليس ذلك من الكشف حتى يدل على أن من لم يحصل له من كسبه أنه غير مقبول ، بل أنه يكون ( عناية من اللّه ببعض عباده في ذلك ) لئلا يتحير إذا رآه في الآخرة ، فجاء كمن كان مدّ يده في ظلمة ، ففتح اللّه عن نور عظيم يخاف عليه العمى ، وإذا كان الوقوف مع النظر العقلي موجبا للقصور نزل إدريس عليه السّلام عن السماء بعد ما رفع إليه يلحق فيه بالملائكة عن عقله