علي بن أحمد المهائمي
569
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
وهو وإن قال : بأنه يرى لا في صورة طبيعية ؛ لأنه ( من سلطان الوهم أن يحكم على العاقل الباحث فيما جاء به الحق ) على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من تجليه ( في هذه الصورة ) الطبيعية ، إذ ذكر تحوله في الصور ، ولا يتأتى بدون الصور الطبيعية ، وإنما يحكم عليه ؛ ( لأنه مؤمن بها ) أي : برؤيته في تلك الصور التي تفيد تارة وتنكر أخرى . ( وأما غير المؤمن ) من ترونه في الآخرة ، وفي المنام كالمعتزلة ، وهو صاحب النظر الفكري أو المقلد له ، ( فيحكم ) إذا سمع النصوص القائلة بتحولة في الصور في الآخرة أو في المنام ( على الوهم ) ، إذا حكم برؤيته فيها ( بالوهم ) بأنه من لا صورة له يستحيل رؤيته في صورة أو يتحول في الصور ، مع أن العقل لا يمنع من رؤية من لا صورة له في الصورة ، كما لا يمنع من رؤية من له صورة أن يرى في غير صورته ، فقد رئي جبريل عليه السّلام في صورة دحية مع أنها ليست بصورته اتفاقا . ( فيتخيل ) عند رده النصوص بكونها أخبار الآحاد أو بتأويلها على وفق وهمه ( بنظره الفكري ) الذي لا يحيل ظهور الحق في صورة ، وإنما يحيل كونه في نفسه ذا صورة ( أنه قد أحال على اللّه ) رؤيته في الصورة ، حتى أحال ( ما أعطاه ذلك التجلي في الرؤيا ) ، مع أنه يجوز في الرؤيا رؤية الشيء في غير صورته ؛ لذلك يحتاج فيه إلى التعبير كما ترى العدو في صورة الحية ، وهو لم يفعل ذلك أيضا من كل وجه ، إذ ( الوهم منه في ذلك ) ، أي : إثبات الصورة للحق ( لا يفارقه ) ؛ فإنه ما دام بدنه صحيحا كان علمه باقيا ، وإن كان علمه ( من حيث لا يشعر ) به صاحبه ؛ ( لغفلته عن نفسه ) لاحتجابه به بربه عنها ، فلا يلوح له ما يحكم به نفسه من الجمع بين التنزيه والتشبيه بقوتيه العقلية والمؤمنة ، ولو كوشف عنها لعرف ربه بما يلوح من جميع قواها ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . ( ومن ذلك ) ، أي : ومما يلحق فيه كل شيء من المؤثر والمؤثر فيه بأصله ، ويحكم فيه الوهم بتصوير الحق ما أشار إليه ( بقوله تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ) ، فالداعي من حيث التأثر بالمدعو به عبد ، ومن حيث التأثير في الإجابة حق ظهر في العبد ، والمجيب من حيث التأثير في المدعو به حق ، ومن حيث التأثر للدعوة عبد ظهر فيه ، ولظهور كل منهما في مرآة الآخر ( قال اللّه تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [ البقرة : 186 ] ) ، إذ لا قرب هنا بالزمان والمكان والرتبة بل بالظهور ، وهو مستلزم لتصوير الوهم الحق بصورة ما ظهر في العبد ، وبصورة العبد الظاهرة في مرآة الحق ، وكيف تكون الإجابة من الحق من حيث هو حق ، وهي متوقفة على الدعوة ؟ ( إذ لا يكون ) المجيب ( مجيبا إلا إذا كان ) أي : وجد ( من يدعوه ) ، والمتوقف على الغير حادث ، فلا يتصف به الحق من حيث هو حق لا يقال : إذا كان الحق ظاهرا في العبد من حيث تأثير الدعوة .