علي بن أحمد المهائمي

564

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

من ذلك ، مثل من يرى الحقّ في النّوم ولا ينكر هذا ، وأنّه لا شكّ الحقّ عينه فتتبعه لوازم تلك الصّورة وحقائقها الّتي تجلّى فيها في النّوم ، ثمّ بعد ذلك يعبّر أي يجاز عنها إلى أمر آخر يقتضي التّنزيه عقلا ، فإن كان الّذي يعبّرها ذا كشف أو إيمان ، فلا يجوز عنها إلى تنزية فقط ، بل يعطيها حقّها من التّنزيه وممّا ظهرت فيه ، فاللّه على التّحقيق عبارة لمن فهم الإشارة ] . ( ثم جاءت الشرائع ) شريعة موسى عليه السّلام وعيسى عليه السّلام ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وغيرهم عليهم السّلام ( كلها بما تحكم به الأوهام ) من التشبيه ، ( فلم تخل ) الحق فيما ورد فيها من التنزيهات فضلا عن التشبيهات ( عن صفة يظهر فيهما ) في المظاهر الخلقية حتى أنه يظهر بالتنزيه في الأرواح والملائكة العلوية ، فيشارك بها المظاهر ، والمشاركة مستلزمة للتشبيه ، بل عينها ( كذا قالت ) في المظاهر ، ( وبذا جاءت ) في الباطن ، فلا يجوز فيها التأول الموجب لرفع الظواهر بالكلية ، إذ لو كان لبينه الرسل ، لكنهم ما بينوا ؛ ( فعملت الأمم ) في اعتقاداتهم على ذلك ، ( فأعطاها التجلي ) الذي لا يعطيه المستمرين على الغلط ، فصاروا أولياء ، ( فلحقت بالرسل ) ورأت علومهم وأحوالهم . ( فنطقت بما نطقت به رسل اللّه ) من التنزيه تارة ، والتشبيه أخرى ، والجمع بينهما طورا ومن سائر العلوم والمعارف ، فأشبه كمالهم الكمال النبوي الذي لا يعرف قدره إلا اللّه كما قال : ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [ الأنعام : 124 ] ) كيف ؟ وهم مظاهره الجامعة لما فيه من الصفات القابلة للظهور في المظاهر ، وفي ذلك كمال التشبيه ، فقد أشار إليه في هذه الآية بوجه من الوجوه ، ( اللَّهُ أَعْلَمُ ) في القرآن بعد قوله : رُسُلُ اللَّهِ [ الأنعام : 124 ] ( موجه ) ، أي : قابل لتوجيهه إلى ما ذكرنا من التنزيه والتشبيه جميعا ، لكن بوجهين مختلفين إذ ( له ) ، أي : لقوله : اللَّهِ ( وجه بالخبرية ) عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أن يوقف على قوله : مِثْلَ ما أُوتِيَ ، ويكون فيه ضمير لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم قال : رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ ، فأسند اللّه ( إلى رسل اللّه ) أي : رسل اللّه هم المظاهر الكاملة ، كأنهم هم اللّه ظهر فيهم بجميع أسمائه وصفاته ، وهذا الوجه يدل على التشبيه ، ( وله وجه ) يدل على التنزيه ( بالابتداء إلى أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ، ) فإنه لما قطعت هذه الجملة عن قوله : مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ أشار إلى انقطاع الحق عن رسله ، وهو دليل التنزيه ، فإنه لما تنزه عن التعلق بهم من حيث غناه عنهم ، فهو عن المتعلق بغيرهم أنزه ، وإنما تعلق بهم من حيث كمال ظهوره في المظاهر بهم بعد ظهوره في ذاته لذاته ، وتعلق بغيرهم لكونهم من مقدماتهم أو متمماتهم ، ( وكلا الوجهين حقيقة فيه ) ، إذ لا مجاز