علي بن أحمد المهائمي

551

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أو عين الصّفة ، فقال : ما هو عين الصّفة ولا غيرها ، فصفات الحقّ عنده لا هي هو ولا هي غيره ؛ لأنّه لا يقدر على نفيها ، ولا يقدر على أن يجعلها عينه ، فعدل إلى هذه العبارة ، وهي عبارة حسنة ، وغيرها أحقّ بالأمر منها ، وأرفع للإشكال ، وهو القول بنفي أعيان الصّفات وجودا قائما بذات الموصوف ، وإنّما هي نسب وإضافات بين الموصوف بها وبين أعيانها المعقولة ] . ولذلك قال : ( ومن لم يذق هذا الأمر ) ، أي : عينية الرحمة للحق باعتبار أن ليس لها مفهوم آخر وراء النسبة ، ولا وجود لها ، وإنما هو الراحم ( ولا كان له فيه قدم ) أي : دخل أيضا ، فإن من لا يكون صاحب الذوق قد يعرف هذا في بعض الأشياء ؛ فإنه يعرف أنه ليس في الخارج شيء هو حيوان ، وشيء هو ناطق يتركب منهما الإنسان ، بل هما في الواقع واحد والعقل يتصورهما شيئين ما أخبر ( أن يقول : إنه ) تعالى : ( عين الرحمة ) ، بل هي من جملة أفعاله ، وفعل الشيء ليس عينه ( أو عين الصفة ) كالحياة والعلم ، والإرادة والقدرة ، والسمع والبصر والكلام ، وإلا لصدق أحدهما على الآخر مع أنه لا يقال : اللّه رحمة أو حياة أو علم ؛ ( فقال : ما هو ) أي : الحق ( عين الصفة ولا غيرها ) . وفي الرحمة صرح بعضهم بالغيرة ، وبعضهم قالوا فيها مثل ما قالوا في الصفة ، وفسروا الغيرين بموجودين يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر ، فإن أرادوا بحسب التعقل انتقض بالمتضايقين على تقدير وجودهما ، وبالصانع مع صفاته ، وإلا لم ينكرها عاقل ، وإن أرادوا بحسب الخارج من جانب انتقض بالجزء مع الكل ، وإن أرادوا من الجانبين انتقض بالعلة مع المعلول ، ولكن هذا هو مرادهم ، فيكون ذلك في الصفات اللازمة والقديمة في معناها ، ( فصفات الحق عنده لا هي هو ، ولا هي غيره ) ؛ لأنها إما منفية أو ثابتة ، والأول باطل ؛ ( لأنه لا يقدر على نفيها ) مع ثبوتها بالأدلة القطعية ، ومع ظهور آثارها ، وعلى تقدير ثبوتها ، فإما أن يكون غيره أو عينه ، ولا يقدر أن يقول غيره ، وإلا جاز الانفكاك من جانب أو جانبين في الواقع ، وهو باطل لمنافاة قدمها ذلك ، ( ولا يقدر أن يجعلها عينه ) ؛ لامتناع حملها عليه ، ( فعدل إلى هذه العبارة ) ، وهي أنه لا عينه ولا غيره . ( وهي عبارة حسنة ) ؛ لإفادتها أنها وإن لم تحمل عليه ، فلا ينفك عنه ، ولا ينفك عنها في الواقع مع أنها لا تنافي التحقيق في أنها عين الذات في الواقع ، وهي معان زائدة في نظر العقل مع اعتبار انتسابها إلى أمور معقولة ، ( وغيرها أحق بالأمر ) ، أي : أطبق للواقع ( وأرفع للإشكال ) « 1 » الوارد على إثبات الصفات ، ( وهو القول بنفي أعيان الصفات وجودا ) أي : نفي أن يكون لكل صفة وجود في نفسها غير وجود الموصوف ، وغير وجود كل صفة

--> ( 1 ) في نسخة : « الانفكاك » .