علي بن أحمد المهائمي

548

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

باسم اللّه ليزكيهم هذا الاسم فيسعد محلهم لقبول النور من رحمته ، فيقولون : باللّه ، وينادون الاسم الجامع ؛ ليتم تزكية نفوسهم بنوره الكامل . ( ارحمنا ) « 1 » أي : أشرق علينا نور رحمتك ؛ لتقوم بنا الرحمة ، وإنما أوّلناه بهذا ؛ لأنه لا يرحمهم بتحصيل مسئولهم إلا قيام الرحمة بهم ؛ لأن الرحمة القائمة بالحق لا تتوقف في التأثير على فعل الغير ، وإنما تتوقف على استعداده بحسب جريان السنة الإلهية ، ولا استعداد لإشراق نور الرحمة الإلهية عليهم إلا بالتزكية الحاصلة عن سؤالهم إياها باسمه المفيد للتزكية بمقتضى قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) [ الأعلى : 14 ، 15 ] ، فإشراق نور الرحمة منه رحمة منه ؛ ( فلها الحكم ) ، وإن اجتمعت هاهنا الرحمتان ؛ ( لأن الحكم إنما هو في الحقيقة للمعنى القائم بالمحل ) ، إذا استند إليه وإلى الأمر المباين ؛ لأن القائم بالمحل سبب قريب والمنفصل سبب بعيد ، والتأثير إنما هو للقريب ، وإن لم يستقل بدون البعيد ، وإذا كان أثر الرحمة بالسؤال بلسان الحال والمقال مما يوافق الغرض ، أو يلاءم الطبع بالرحمة القائمة بالمرحوم ، ( فلا يرحم اللّه عباده المعتنى بهم إلا بالرحمة ) الموجودة فيهم رحمة تقوم بهم ؛ لأن رحمتهم من قبيل ما يوافق الغرض أو يلائم الطبع لا محالة فهم ، وإن لم يسألوا بلسان المقال سألوا بلسان الحال . ( فإذا أقامت بهم الرحمة ) المسئولة ( وجدوا حكمها ) ، وهو تأثيرها بحصول المسؤول ، ويتسمى الفاعل راحما أو رحيما ، والمفعول مرحوما ( ذوقا ) ؛ لأن هذا الحكم من جملة الأحوال التي ليست موجودة ولا معدومة ، فلا يدرك إلا بالذوق ، فإن العقل لا يدرك الواسطة بين المعدوم والموجود ، وسائر المشاعر إنما تدرك الموجودات ؛ وذلك لأن المعتبر هاهنا أربعة أمور : الرحمة ، وذات الراحم ، وذات المرحوم ، وتأثير الرحمة في حصول المسؤول ، وفي تسميتها راحما ومرحوما ، والموجود إنما هو الثلاثة الأول ، ( فمن ذكرته الرحمة ) ، أي : تعلقت به تعلق الوقوع ، ( فقد رحم ) ، أي : صار مرحوما ، ( واسم الفاعل هو الرحيم ) إن قصد الثبوت ، ( والراحم ) إن قصد الحدوث . [ والحكم لا يتّصف بالخلق لأنّه أمر توجبه المعاني لذواتها ، فالأحوال لا موجودة ولا معدومة ، أي : لا عين لها في الوجود ؛ لأنّها نسب ، ولا معدومة في الحكم ؛ لأنّ الّذي قام به العلم يسمّى عالما وهو الحال ، فعالم ذات موصوفة بالعلم ، ما هو عين الذّات ، ولا عين العلم ، وما ثمّ إلّا علم وذات قام بها هذا العلم ، وكونه عالما حال

--> ( 1 ) أي : تجل علينا باسمك الرحيم ، واجعلنا راحمين كما أنك راحم ، فانظر الفرق بين السؤالين ؛ فإن المسؤول عنه في السؤال الأول للحق المخلوق الذي لا شعار له بنفسه ، ولا لغيره ؛ فكيف يتمكن من اتصال الرحمة إليه . ( شرح الجامي ص ( 426 ) .