علي بن أحمد المهائمي

546

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

يحتجب بذلك . [ فاعلم أوّلا أنّ الرّحمة إنّما هي في الإيجاد عامّة ، فبالرّحمة بالآلام أوجد الآلام ، ثمّ إنّ الرّحمة لها الأثر بوجهين « 1 » : أثر بالذّات وهو إيجادها كلّ عين موجودة ، ولا تنظر إلى غرض ولا إلى عدم غرض ؛ ولا إلى ملائم ولا إلى غير ملائم ؛ فإنّها ناظرة في عين كلّ موجود قبل وجوده ، بل تنظره في عين ثبوته ، ولهذا رأت الحقّ المخلوق في الاعتقادات عينا ثابتة في العيون الثّابتة ، فرحمته بنفسها بالإيجاد . ولذلك قلنا : إنّ الحقّ المخلوق في الاعتقادات أوّل شيء مرحوم بعد رحمتها بنفسها في تعلّقها بإيجاد المرحومين ، ولها أثر آخر بالسّؤال ، فيسأل المحجوبون الحقّ أن يرحمهم في اعتقادهم ، وأهل الكشف يسألون رحمة اللّه أن تقوم بهم ، فيسألونها باسم اللّه فيقولون يا اللّه ارحمنا ، ولا يرحمهم إلّا بقيام الرّحمة بهم ، فلها الحكم ، لأنّ الحكم إنّما هو في الحقيقة للمعنى القائم بالمحلّ ، فهو الرّاحم على الحقيقة ؛ فلا يرحم اللّه عباده المعتنى بهم إلّا بالرّحمة ، فإذا قامت بهم الرّحمة وجدوا حكمها ذوقا ، فمن ذكرته الرّحمة فقد رحم ، واسم الفاعل هو الرّحيم والرّاحم ] . ( فاعلم أولا ) أن البلايا والآلام ، وإن كانت تقابل الرحمة في حق من فاضت به ؛ فهي من حيث وجودها عين الرحمة في حق أنفسها ، وذلك ( أن الرحمة ) التي هي الجود الإلهي ( إنما هي في الإيجاد ) الذي إعطاؤه إفادة ما ينبغي لا لعوض ولا لغرض ، وهذه الرحمة ( عامة ) لا تختص بما هي أغراض للأشياء أو ملائمة لطبائعها ، إذ قد يكون ما ينبغي غير ذلك ، ( فبالرحمة بالآلام ) من حيث ينبغي إفادتها الوجود ، إذ بذلك يعلم حقيقة اللذة وقدر النعمة ، ويؤجر المخالف ، ويعطى العابر أجره بغير حساب ، ويعرف الاستغناء الإلهي وقهره وقوته إلى غير ذلك من الفوائد ( أوجد الآلام ) إذ لم تؤلم أنفسها ، وكما يتألم بها شخص قامت به ، يلتذ شخص دفعت عنه ، فهما عارضان متعارضان . ( ثم ) بعد أن علمت أن الرحمة في نفس الإيجاد عامة ، اعلم ( أن الرحمة لها الأثر ) في المرحوم ( بوجهين ) أحدهما ما مرّ ، وهو لا يتعلق سؤال بلسان الحال أو المقال إذ هو ( أثر بالذات ) ؛ لأن الجود الإلهي يقتضي ذلك ، ( وهو ) ، أي : الأثر الذاتي ( إيجادها كل عين موجودة ) ، أي : قابلة للوجود إذ منع القابل حقه بخل ينافي الجود ، ( ولا تنظر ) الرحمة بهذا

--> ( 1 ) الحاصل أن للرحمة اعتبارين : أحدهما : اعتبارها من حيث النظر إلى محلها أعني : الذات الإلهية ، وهي بهذا الاعتبار واحدة لا تميز فيها بين شيء وشيء ، ويقال لها بهذا الاعتبار الرحمانية ، وثانيها : اعتبارها من حيث النظر إلى متعلقها الذي هو المرحوم ، وهو مختلف متعدد باختلاف استعداداته . ( شرح الجامي ص 425 ) .