علي بن أحمد المهائمي
542
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الفصّ الزكرياوي فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بمالكية الحق لكل ما سواه ظهر ذلك العلم بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى زكريا عليه السّلام ؛ فإنه لما تحقق بمقام العبودية على الكمال بما بالغ في التذلل والدعاء ظهر فيه الحق بمالكيته للكل ، فأعطاه قوة التصرف في نفسه وروحه بتقويتهما وإصلاحهما والغلبة على موالي السوء فيما أنتج له من تقويتهما ، ولما كانت المالكية عن احتياج المملوك إلى المالك ، وقضاء حاجة الشخص رحمة عليه كانت المالكية رحمة عامة على الكل ؛ ولذلك قال عزّ وجل في حقه : ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [ مريم : 2 ] ، فنسب الرحمة إلى رب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليدل على عمومها ، فأضاف العبد إلى الهوية ليدل على كمال عبوديته ؛ لأنه عبد جميع الأسماء حتى لم يتميز في حقّه ، فصار كأنه عبد الذات ؛ ولذلك استوجب أكمل وجوه الرحمة . [ اعلم أنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء وجودا وحكما ، وأنّ وجود الغضب من رحمة اللّه بالغضب ؛ « فسبقت رحمته غضبه » « 1 » أي : سبقت نسبة الرّحمة إليه نسبة الغضب إليه ، ولمّا كان لكلّ عين وجود يطلبه من اللّه ، لذلك عمّت رحمته كلّ عين ، فإنّه برحمته الّتي رحمه بها قبل رغبته في وجود عينه ، فأوجدها ، فلذلك قلنا : إنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء وجودا وحكما ، والأسماء الإلهيّة من الأشياء ؛ وهي ترجع إلى عين واحدة ؛ فأوّل ما وسعت رحمة اللّه شيئيّة تلك العين الموجدة للرّحمة بالرّحمة ، فأوّل شيء وسعته الرّحمة نفسها ثمّ الشيئيّة المشار إليها ، ثمّ شيئيّة كلّ موجود يوجد إلى ما لا يتناهى دنيا وآخرة وعرضا وجوهرا ، ومركّبا وبسيطا ، ولا يعتبر فيها حصول غرض ولا ملائمة طبع ، بل الملائم وغير الملائم كلّه وسعته الرّحمة الإلهيّة وجودا ] . ( اعلم أنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء وجودا وحكما ) أي : بإعطائه إياها الوجود ، وأحكامه من الصفات والإضافات وسائر الاعتبارات . ثم استشعر سؤالا بأنه لو عمت رحمته كل شيء لم يوجد الغضب أصلا ، إذ هو مقابل للرحمة ؟ وأجاب عنه بقوله : ( وأنّ وجود الغضب من رحمة اللّه بالغضب ) « 2 » ، وإن لم تكن
--> ( 1 ) رواه ابن حبان ( 14 / 36 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 7 / 23 ) . ( 2 ) في نسخة : « وأن وجود الغضب رحمة بالغضب » .