علي بن أحمد المهائمي

508

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وأشار إلى أنه لا يفهمها إلا الكمّل بقوله : يا أُولِي الْأَلْبابِ ، إذ غيرهم يرون فيه موت القاتل لا غير ، ( وهم أهل لب الشيء ) أي : باطنه المقصود منه ، وهو المسمى بالحكمة التي خص بالاطلاع عليها ( الذين عثروا على أسرار النواميس ) أي : بواطين الكلمات ( الإلهية والحكمية ) ، وهم أخص الخواص . [ وإذ علمت أنّ اللّه راعى هذه النّشأة وإقامتها وإدامتها فأنت أولى بمراعاتها إذ لك بذلك السّعادة ، فإنّه ما دام الإنسان حيّا ، يرجى له تحصيل صفة الكمال الّذي خلق له ، ومن سعى في هدمها فقد سعى في منع وصوله لما خلق له ، وما أحسن ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بما هو خير لكم ، وأفضل من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم ذكر اللّه » « 1 » ، وذلك أنّه لا يعلم قدر هذه النّشأة الإنسانيّة إلّا من ذكر اللّه الذّكر المطلوب منه ، فإنّه تعالى جليس من ذكره ، والجليس مشهود الذاكر ومتى لم يشاهد الذّاكر الحقّ الّذي هو جليسه فليس بذاكر ، فإنّ ذكر اللّه سار في جميع العبد ، لا من ذكره بلسانه خاصّة ؛ فإنّ الحقّ لا يكون في ذلك الوقت إلّا جليس اللّسان خاصّة ، فيراه اللّسان من حيث لا يراه الإنسان بما هو راء ، فافهم هذا السّرّ في ذكر الغافلين ] . ( وإذا علمت أن اللّه راعى هذه النشأة ) بشرع الحرمة والصلح والعفو ونحوها ، وراعى أيضا ( إقامتها ) بشرع القصاص ، ( فأنت أولى بمراعاتها ) ؛ لأنه لما راعاها مع التنزه عن الأغراض فأنت أولى ؛ لأن لك غرض تحصيل السعادة ( إذ ) تحصل ( لك بذلك السعادة ) بكونك سببا لسبب تحصيل من راعيته صفة الكمال لنفسه ، وهو وإن كان متوهما فتحقق السبب يقوم مقام تحققه ؛ لأن سببه الحياة وأنت أبقيتها ، فأنت سبب سببه ، وإن كان السبب متوهما . ( فإنه ما دام الإنسان حيّا يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له ) عامّا في حق القاصر فظاهر ، وأما في حقّ الكامل ؛ فلأنه لا كمال إلا وفوقه آخر يمكنه تحصيله لا إلى نهاية ، والدليل على أن من كان سببا لشيء في حق الغير استفاد مثل الكمال الحاصل له منه في حق نفسه قوله عليه السّلام : « من دلّ على هدى كان له مثل أجر فاعله من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن دلّ على ضلالة كان له مثل وزر صاحبه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ، ( ومن سعى في هدمه ؛ فقد سعى في منع وصوله لما خلق له ) » « 2 » .

--> ( 1 ) ذكره العجلوني في « كشف الخفاء » ( 2 / 502 ) ، والمناوي في « فيض القدير » ( 3 / 115 ) . ( 2 ) رواه الدارمي ( 1 / 141 ) ، ومالك في « الموطأ » ( 1 / 218 ) ، وابن أبي عاصم في « السنة » ( 1 / 52 ) .