علي بن أحمد المهائمي
49
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
والمعارج ، وأطلبه من ذاتك لذاتك ، تجد الحق في ذاتك . أرأيت لما ثبتت نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، واستقر في نفوس العقلاء أنه صلّى اللّه عليه وسلم ينطق عن اللّه تعالى لا عن هوى نفسه ، كيف دخلوا في رق الانقياد والتسليم ، وتصرفت عليهم وظائف التعبد والتكليف ، ولم يسألوا ما الدليل ، ولا ما العلة . ولقد كان الصحابة رضي اللّه عنه يسألونه عن أشياء حتى نهوا عن ذلك في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [ المائدة : 101 ] . وإن عرض لك أيها الأخ المسترشد في هذا الطريق عارض من عدو أو صديق ، وقال لك : طالبهم بالبرهان على هذا الأمر والشأن ، يعني : لعلماء الطريقة ورؤساء الحقيقة ، فيما يتكلمون به من المعارف الإلهية والأسرار الربانية ، فأعرض عنه جانبا ، وقل له جوابا محاورا يلزمه بالاتفاق والإجماع : ما الدليل على حلاوة العسل ولذة الجماع ؟ وخبرني عن الماهية لهذه الأشياء ، فلابد أن يقول لك : هذا علم لا يحصل إلا بالذوق ، فلا يدخل تحت حد ، ولا يقوم عليه دليل ، ثم اضرب له مثلا آخر ، وقل له : لو كان لك دار تبنيها بيدك ، وما اطلع عليها أحد غيرك ففشا ذكرها ، واتصل بأسماع الناس خبرها ، ثم اصطفيت أحدا من خواصك فأدخلته الدار بمرأى من الناس فشاهد ما فيها ، وخرج يحدث الناس بما شاهد ، فهل يصح أو يجوز لأحد أن يقول له : ما الدليل على ما تذكره ؟ ولو قال ذلك قائل ؛ حمّقه الناس وسفهوه ، فمن أحسن به الظن صدقه في قوله ، ومن لم فلا يحل له أن ينكر عليه ، بل إذا أراد الوقوف على حقيقة ذلك ترغب إلى صاحب الدار ليدخله إياها فيشاهد ما شاهد . فكذلك يا أخي هذا العلم السنّي دار رحب ، وهو نتيجة التقوى ، فإذا رأينا رجلا اتقى اللّه ووقف عند حدوه ، وقد اتصف بالصفات الحميدة ، ثم نطق بعد ذلك بعلم لا تسعه عقولنا وهبه اللّه سبحانه إياه ، فالواجب علينا التسليم والتصديق وعدم الإنكار والاعتراض ؛ لأن اللّه تعالى يخص من يشاء من عباده بما شاء من علومه يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 269 ] ، وما بلغنا أن الصحابة رضي اللّه عنه سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما العلة في أن الصبح ركعتان ، والظهر والعصر أربع ، والمغرب ثلاث ، والعشاء أربع ؟ ولكن لما ثبتت عصمته ، وبان صدقه انقادوا لأوامره . فلما رأيناك تطلب الدليل والعلة ممن ورثه ، ولازم التقوى التي تدل على صحة علمه كدلالة المعجزة على النبوة ، علمنا أن صفة الصدق ما استقرت فيك ، فإذا كنت كذلك تسلم لهم أحوالهم ، ولا تشك في أقوالهم وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] عسى اللّه أن يفتح لك بابا من عنده . ولا تنكر عليهم النطق بالغيب ، مع إيمانك بالمثل المحسوس الذي نصبه اللّه تعالى لك ،